المزيد

الحمام الزاجل.. طائر أسرار الملوك وساعي بريد الإمبراطوريات

في زمن السلاطين والخلفاء، حين كانت الأخبار تنقلها الرياح والسماء شاهدة على أهم أسرار الدول، برز الحمام الزاجل كأعجوبة العصور الوسطى، يتنقل بسرعة تفوق كل خيال، ويشق الصحارى والجبال حاملا رسائل الملوك وتعليمات القادة، فلم يعرف الناس آنذاك وسيلة أصدق وأسرع من هذا الطائر الذكي لنقل الأخبار بين المدن المتباعدة.

تاريخ الحمام الزاجل عبر العصور 

كان الحمام يتلقى تدريبات دقيقة، ويتعلم كيف يتعرف على أبراجه من أعالي السماء، ليهبط بدقة مذهلة نحو وجهته المحددة، حتى لو ابتعد عنها بمئات الأميال، فصار وسيلة لا غنى عنها في زمن لا يعرف الهاتف ولا البرق، وكان حضوره في قصور الخلفاء جزءا من هيبة الدولة وفاعليتها.

وفي قصر الخليفة الفاطمي العزيز بالله في القاهرة، وقعت قصة طريفة تجسد عبقرية استخدام الحمام الزاجل، فقد كان الخليفة جالسا وسط حاشيته يستمع إلى أحاديث عن النكهات والثمار النادرة، حتى سمع اسم القراصيا البعلبكية، تلك الفاكهة الشهيرة في بلاد الشام، فاشتد شوقه لتذوقها وطلب من وزيره يعقوب بن كلس أن يحضرها له في الحال.

يعقوب لم يتردد لحظة، فأصدر أوامره مباشرة إلى دمشق، وأمر بتجهيز الحمام الزاجل المصري المدرب، وبدأ الجنود هناك بجمع القراصيا الناضجة بعناية ووضعها في أكياس صغيرة ربطوها بأرجل الحمام، لتنطلق الطيور تباعا فوق الأودية والسهول، تحدق بأبراج القاهرة من السماء، ولا تمر ساعات قليلة حتى بدأت تتساقط في قصر العزيز بالله، تحمل كنوز الشام في أقدامها.

اجتمعت الأطباق أمام الخليفة الذي اندهش من سرعة الوصول، وأخذ يتذوق القراصيا بابتسامة عريضة، ثم قال أمام حاشيته بكلمات لا تُنسى إن هذا الحمام أعجب ما رآه في حياته، فجمع بذلك بين الدهشة والمتعة في مشهد عبقري يعكس روح تلك المرحلة الزاخرة بالتفاصيل المثيرة.

عاش الحمام الزاجل أوج مجده في تلك العصور، فأنشأ الفاطميون له ديوانا خاصا يسجلون فيه علاماته وأنسابه، وأقام العباسيون أبراجا على طول الطرقات ليتنقل بينها كالبرق حاملا الرسائل دون توقف، حتى إن الأمراء دفعوا مئات الدنانير ثمنا لفرخ واحد منه، ودوّن العلماء ومنهم القلقشندي كتبا عن تدريبه وأنواعه ومهاراته.

هكذا بقي الحمام الزاجل رمزا للذكاء والإخلاص والسرعة، وجسّد جانبا عظيما من تطور وسائل الاتصال قبل أن تعرف البشرية الكهرباء، فكل رسالة حملها كانت تحمل مصير مدينة أو قرارا قد يغير مجرى التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى