من الجمهورية إلى الدولة البوليسية.. كيف انكسر الحلم السوري على يد عبد الحميد السراج
عاشت سوريا بعد جلاء الاحتلال الفرنسي مرحلة استثنائية في تاريخها السياسي، فقد شكلت آنذاك منارة للحكم المدني والحرية السياسية، وقدمت نموذجا ديمقراطيا متقدما في محيطها، حيث خضعت السلطتان التشريعية والتنفيذية لرقابة مجلس النواب المنتخب من الشعب، واستند القضاء إلى دستور أكد استقلاله الكامل، فكانت الدولة قائمة على توازن السلطات واحترام الإرادة الشعبية، في تجربة بدت واعدة وقادرة على التطور والاستمرار.
كيف انكسر الحلم السوري على يد عبد الحميد السراج
وعلى الرغم من تعاقب الانقلابات العسكرية في تلك الحقبة، بدءا من انقلاب حسني الزعيم في التاسع والعشرين من آذار عام 1949، ثم انقلاب سامي الحناوي في الرابع عشر من آب من العام نفسه، وصولا إلى انقلابي أديب الشيشكلي في كانون الأول 1949 وتشرين الثاني 1951، فإن سوريا واصلت التمسك بمسارها الديمقراطي لسنوات، إلى أن برز اسم العقيد الحموي عبد الحميد السراج، الذي عرف لاحقا بلقب السلطان الأحمر، والذي شكل ظهوره نقطة التحول الأخطر في تاريخ الدولة السورية الحديثة.
دخل السراج المشهد بقوة في منتصف الخمسينيات، وتحديدا عام 1955، حين تسلم إدارة الاستخبارات العسكرية، المعروفة آنذاك بالمكتب الثاني، وهو الجهاز الذي شكل النواة الأولى للمخابرات السورية، ومع توليه هذا المنصب تحولت الأجهزة الأمنية إلى لاعب رئيسي في الحياة السياسية، وبدأت تتغلغل في تفاصيل حياة السوريين اليومية، فكان ذلك التأسيس الفعلي لدولة بوليسية تقوم على الخوف والمراقبة والقمع.
جاء اغتيال العقيد البعثي عدنان المالكي نائب رئيس أركان الجيش في الثاني والعشرين من نيسان عام 1955 ليمنح السراج الذريعة التي كان ينتظرها، فانطلق في حملات واسعة ضد المعارضين من مختلف الأحزاب، وصادر الحريات العامة، وفتح أبواب المعتقلات على مصراعيها، وكان من بين من زج بهم في السجون الأديب محمد الماغوط، الذي تركت تجربة اعتقاله أثرا عميقا في حياته وإبداعه، وجعلت من السجن رمزا لانهيار القيم والجمال أمام سطوة الرعب.
في تلك الأثناء، كانت مصر تعيش عام 1956 لحظة صعود قومي كبرى، خاصة بعد العدوان الثلاثي، حيث تكرس جمال عبد الناصر قائدا عربيا جماهيريا بلا منازع، ورأى السراج فيه النموذج الذي يمكن الاتكاء عليه لتعزيز نفوذه، فبدأ مع مجموعة من الضباط السوريين الدفع باتجاه الوحدة مع مصر، وهي الوحدة التي أعلنت في الثاني والعشرين من شباط عام 1958 بقيام الجمهورية العربية المتحدة بإقليميها الشمالي والجنوبي.
مع قيام الوحدة، وصل السراج إلى ذروة نفوذه، فعينه عبد الناصر وزيرا للداخلية ثم نائبا له في الإقليم الشمالي، ليصبح الأداة الضاربة للنظام، وعينه التي يرى بها، فأتقن صناعة الخوف، وتوسع في الاعتقال والتعذيب، وتراجعت ملامح الدولة المدنية خطوة بعد أخرى، حتى باتت الأجهزة الأمنية فوق أي مساءلة أو رقابة.
ومن أبشع الجرائم التي ارتبطت باسمه، جريمة قتل فرج الله الحلو نائب الأمين العام للحزب الشيوعي تحت التعذيب، ثم إذابة جثته بالأسيد، وهي الجريمة التي صدمت الرأي العام في حينه، وكشفت حجم الانحدار الذي وصلت إليه الدولة الأمنية التي بناها السراج بلا وازع أخلاقي أو سياسي.
لم يتوقف نفوذ السراج عند حدود سوريا، بل امتد إلى لبنان، حيث استغل الاحتجاجات ضد الرئيس اللبناني كميل شمعون، المعارض للجمهورية المتحدة، فعمل على دعم خصومه بالسلاح والرجال، مبررا ذلك بحماية أمن سوريا ووحدتها، ومؤكدا أن السياسة الخارجية اللبنانية يجب أن تنسجم كليا مع توجهات الوحدة، حتى لا يتحول الخصوم إلى شركاء مؤثرين.
غير أن الصعود الحاد حمل في داخله بذور السقوط، فمع تعاظم نفوذ السراج، فضل جمال عبد الناصر رفيق دربه المشير عبد الحكيم عامر عليه، فاستدعاه وطلب منه تقديم استقالته، وهو ما شكل صدمة قاسية له، فامتثل للأمر وقدم استقالته في الثاني والعشرين من أيلول عام 1961، قبل أيام قليلة من انقلاب عبد الكريم النحلاوي الذي أنهى الوحدة وأعلن الانفصال في الثامن والعشرين من الشهر نفسه.
سارع الانقلابيون إلى اعتقال السراج وإيداعه سجن المزة العسكري، ذلك السجن الذي كان في عهده مسرحا للتعذيب ومقبرة للأحياء، فوجد نفسه محاطا بأرواح ضحاياه، وجدران تحفظ حكايات الألم والدم، وبعد ثمانية أشهر، نجحت المخابرات المصرية، بمساعدة كمال جنبلاط وبعلم الرئيس اللبناني فؤاد شهاب، في تهريبه إلى مصر، حيث استقبله عبد الناصر ومنحه الجنسية المصرية.
في عام 2013، توفي عبد الحميد السراج في القاهرة عن عمر ناهز الثامنة والثمانين، في اليوم نفسه الذي قدم فيه استقالته قبل عقود، بينما كان السوريون يخوضون معركتهم الطويلة ضد نظام ورث أدواته وخصاله، ووسع دولته الأمنية، وأضاف إلى المزة تدمر وصيدنايا، وطور أساليب القمع حتى بلغت مستويات غير مسبوقة، فكان مجرمو سوريا إخوة في سفك الدم، بنوا سلطتهم فوق جثث السوريين، وشيدوا قصورهم من عرقهم ودمهم، في مشهد تختلط فيه المأساة بالسخرية السوداء، وما أكرم السوريين حين يصبح الدم هو الثمن الدائم.



