التخدير في اليونان القديمة.. أسرار الإلياذة ووصايا أبقراط في تسكين الألم

أميرة جادو
تعود جذور إدارة الألم إلى العصور القديمة، حيث شهدت الحضارة اليونانية محاولات جادة لاكتشاف طرق فعالة لتخفيف الأوجاع وتوفير وسائل تساعد في تخدير المرضى خلال العمليات الجراحية والتدخلات الطبية المختلفة، في تلك الحقبة كان الأطباء والفلاسفة يسعون لفهم طبيعة الألم والوعي.
التخدير في اليونان القديمة
وكان هذا المفهوم متشابكًا بشكل عميق مع الفكر الفلسفي، حيث لعب الطبيب اليوناني الشهير أبقراط، الذي يعتبر الأب الروحي للطب، دورًا بارزًا في رفض التفسيرات الخارقة للطبيعة، مشددًا على أن الأمراض لها أسباب طبيعية تستوجب علاجات قائمة على المعرفة العلمية، في كتاباته تناول وسائل تخفيف الألم ووصف العديد من الخلطات العشبية والتقنيات التي تهدف إلى تقليل الشعور بالانزعاج أثناء الإجراءات الطبية.
في أحد أعماله عن الجراحة شدد “أبقراط”، على أن الطبيب لا يجب أن يقتصر فهمه على المرض فقط بل ينبغي عليه أن يكون على دراية بحالة المريض النفسية والجسدية، مما يعكس وعيًا مبكرًا بأهمية العوامل العاطفية في تجربة الألم، أما الفيلسوف أرسطو فقد انشغل أيضًا بتحليل مفهوم الألم، واعتبره اضطرابًا في الروح ناتجًا عن إصابة جسدية، وهذا التفسير يعكس محاولات ربط التجربة الجسدية بالحالات النفسية، وهو ما يمكن اعتباره أحد الأسس الأولى لفهم العلاقة بين الألم والصحة النفسية.
ممارسات التعامل مع الألم
لم يكن الاهتمام بإدارة الألم مقتصرًا على الجوانب النظرية فقط بل تطورت ممارسات معالجة الإصابات الجراحية بشكل ملحوظ، حيث قدمت ملحمة الإلياذة إشارات عديدة إلى طرق علاج الجروح والإصابات، مما يدل على وجود معرفة طبية متقدمة تتطلب إلمامًا بالتشريح ومهارات علاجية متطورة، علاوة على ذلك كان التدريب على الإسعافات الأولية جزءًا مهمًا من الثقافة الطبية في اليونان القديمة، فلم يكن الأطباء وحدهم من يمتلكون هذه المعرفة بل كان المحاربون أيضًا يتلقون تدريبات في هذا المجال، على سبيل المثال تلقى البطل أخيل تدريبات في الإسعافات الأولية على يد القنطور تشيرون الذي قام بعلاج باتروكلوس بعد إصابته في إحدى المعارك.
التقدم في الطب قديمًا
والجدير بالذكر أن التقدم في الطب لم يقتصر على الجراحة فحسب بل شهد علم النبات أيضًا تطورًا كبيرًا، حيث آمنت الأساطير اليونانية بأن الإله أبولو، الذي كان يعتبر إله الشفاء، استخدم العديد من النباتات لتسكين الألم وعلاج الأمراض، ثم نقل هذه المعرفة إلى ابنه أسكليبيوس الذي أصبح رمزًا للطب والشفاء في الحضارة اليونانية.
وكان الأطباء اليونانيون يعتمدون على مجموعة متنوعة من الأعشاب والمواد الطبيعية التي اشتهرت بخصائصها المسكنة والمهدئة للألم، من بين هذه النباتات كان نبات الماندريك واحدًا من أكثر المواد المخدرة استخدامًا. إذ اشتهر بتأثيراته المهدئة والمهلوسة وكان يستخدم في تحفيز النوم وتخفيف الأوجاع، بل إن جذوره كانت تُستعمل كمسكن قوي في بعض الإجراءات الطبية.



