أبو دومة.. سلالة الزعامة والكرم التي صنعت تاريخ طما وحفرت اسمها في الحياة النيابية المصرية
تعد عائلة أبو دومة واحدة من أعرق العائلات في محافظة سوهاج، وقد ارتبط اسمها بتاريخ مركز طما على مدار قرون طويلة، حيث جمعت بين الزعامة الشعبية والعمل العام والخدمة المجتمعية، وبرز أبناؤها في مواقع العمدية والنيابة والشورى، كما قدمت العائلة نماذج مضيئة في العطاء الوطني والعمل الخيري، وساهمت في إنشاء المدارس والمستشفيات، وقدمت شهداء فداء للوطن.
جذور العائلة ونشأة أم دومة
يروي الحاج أحمد عبد الرحمن أبو دومة، عميد العائلة وعضو مجلس الشعب السابق، أن جذور الأسرة تعود إلى برية البرلس، حيث عاش الجد الأكبر أبو دومة بين عربان البرلس، وامتلك ثروة ضخمة من الماشية حتى عجز الناس عن حصر أعدادها، وكانت برية البرلس آنذاك موزعة بين أبو دومة والمنشاوي والأتربي.
ومع مرور الوقت رحل أبو دومة إلى صعيد مصر، بينما استقر المنشاوي والأتربي في الدلتا، واختار أبو دومة موضعا جديدا للاستقرار حمل فيما بعد اسم أم دومة نسبة إليه وإلى ذريته.
وذكر علي باشا مبارك في خططه أن أم دومة كانت من القرى المزدهرة التابعة لمديرية جرجا، وتقع بالقرب من الجبل غرب مدينة طما، وتميزت بوجود القصور والمباني الكبيرة والمساجد العامرة، كما اشتهرت بخصوبة أراضيها ووفرة محاصيلها، وأحاط أهلها القرية برصيف قوي لحمايتها من مياه الفيضان، ولا يزال هذا الرصيف قائما حتى اليوم ويعرف باسم القريوس.
عبد الرحمن أبو دومة.. المؤسس الحقيقي لمجد العائلة
يعد السيد عبد الرحمن أبو دومة من أبرز شخصيات الأسرة التاريخية، وهو الجد الذي ارتبط اسمه بازدهار العائلة واتساع نفوذها في القرن التاسع عشر.
وتولى عبد الرحمن أبو دومة منصب ناظر القسم خلال عهد محمد علي باشا، وامتلك ثروة كبيرة من الأراضي والأنعام والخيل، حتى أصبحت مواكبه حديث الناس في الصعيد، إذ كان يخرج تحيط به أعداد كبيرة من الخدم والفرسان على ظهور الخيول العربية الأصيلة.
ورغم ما امتلكه من ثراء ونفوذ، عرف عنه الزهد والبساطة في الملبس والمعيشة، حيث فضل الملابس الصوفية البسيطة على مظاهر الترف، واستمر على هذا النهج حتى وفاته.
ودفن عبد الرحمن أبو دومة داخل المسجد الذي شيده بنفسه في أم دومة، ثم أعاد حفيده محمد عطية الناظر بناء المسجد مع الحفاظ على المقصورة التي تضم مدفن الجد المؤسس، كما دفن عدد من كبار العائلة في غرفة مجاورة للمسجد تعرف باسم المنامة.
آل الناظر.. حضور دائم في الحياة السياسية
أنجب عبد الرحمن أبو دومة ابنين هما عطية وعبد الرحمن، ومن نسل عطية برز محمد عطية أبو دومة الذي عرف بلقب الناظر، وهو اللقب الذي التصق بفرع كامل من الأسرة فيما بعد.
وتولى محمد عطية منصب عمدة الناحية وعضوية شورى النواب، كما تولى منصب النظارة عام 1877، واستطاع أن يعزز مكانة الأسرة السياسية والاجتماعية داخل مركز طما وخارجه.
أما عبد الرحمن بن عبد الرحمن أبو دومة فقد شغل منصب ناظر القسم في عهد الخديوي إسماعيل، وتمتع بمكانة كبيرة بين الأهالي والحكام، كما شارك في مجلس شورى النواب، وواصل تعزيز نفوذ العائلة خلال تلك المرحلة المهمة من تاريخ مصر.
السيد بك عبد الرحمن.. رجل الوفد والمدرسة الأولى
يعد السيد بك عبد الرحمن واحدا من أبرز رموز العائلة في القرن العشرين، حيث شغل عضوية مجلس الشيوخ من عام 1924 حتى وفاته عام 1939، باستثناء فترة مقاطعة حزب الوفد للانتخابات.
وانضم السيد بك إلى صفوف الوفد منذ عهد الزعيم سعد زغلول، ثم اختلف لاحقا مع مصطفى النحاس باشا وانضم إلى النقراشي باشا، وساهم في تأسيس الحزب السعدي.
كما سجل اسمه في سجل العطاء الأهلي عندما أنشأ أول مدرسة ابتدائية في أم دومة وتكفل بكامل نفقاتها، لتصبح منارة تعليمية لأبناء القرية والقرى المجاورة.
سعد الله بك وأبناء الأسرة في ميادين الخدمة العامة
برز سعد الله بك عبد الرحمن كأحد كبار رجال الأسرة، حيث شغل عضوية مجلس الشيوخ عام 1931، وشارك في لجنة الشياخات التي أشرفت على شؤون العمد والمشايخ في مصر.
وعرف سعد الله بك بحبه لأعمال الخير وتبرعاته المتواصلة، كما كان من أوائل أبناء الصعيد الذين اقتنوا السيارات الحديثة خلال ثلاثينيات القرن الماضي.
كما قدمت الأسرة شخصيات سياسية عديدة، من بينهم محمد بك أبو دومة عضو مجلس النواب، والمهندس عبد العظيم أبو دومة عضو مجلس الشعب، وأحمد عبد الرحمن أبو دومة، وحسين عبد الرحمن أبو دومة، ومصطفى حسين أبو دومة، الذين حملوا راية التمثيل النيابي للعائلة على مدار عقود متتالية.
سيطرة ممتدة على العمدية والمجالس النيابية
حافظت عائلة أبو دومة على حضورها القوي في مواقع القيادة المحلية منذ نشأة نظام العمدية في مصر، حيث تولى عدد من أبنائها منصب العمدة في قريتي أم دومة وكوم غريب.
كما سجلت العائلة حضورا استثنائيا في المجالس النيابية المختلفة، بداية من مجلس شورى النواب، ثم مجلس النواب، وصولا إلى مجلس الشعب، حيث مثل أبناؤها دائرة طما في العديد من الدورات البرلمانية المتعاقبة.
وشملت قائمة النواب البارزين أحمد بك الناظر، ومحمد بك أحمد أبو دومة، والمستشار عطية عبد القادر، والمهندس عبد العظيم أبو دومة، والوزير جمال الناظر، وأحمد عبد الرحمن أبو دومة، وحسين عبد الرحمن أبو دومة، ومصطفى حسين أبو دومة.
بصمات خالدة في العمل الخيري
ارتبط اسم العائلة بالعطاء والعمل الأهلي منذ عشرات السنين، حيث قدم أبناؤها تبرعات مالية كبيرة دعما للمشروعات الخدمية في محافظة سوهاج.
وساهم سعد الله بك أبو دومة ورضوان بك عطية في دعم مستشفى رمد سوهاج ومستشفى طهطا العام بمبالغ كبيرة، ولا تزال أسماؤهما مسجلة على اللوحات التذكارية داخل تلك المؤسسات.
كما تبرعت الأسرة بأول مدرستين ابتدائيتين في القرية، وأسهم العمدة أحمد ياسين أبو دومة وإخوته في إنشاء الوحدة الصحية بقرية كوم غريب، لتظل هذه المشروعات شاهدة على الدور الاجتماعي الكبير للعائلة.
شخصيات صنعت الفارق
قدمت الأسرة العديد من الشخصيات البارزة التي تركت بصمات واضحة في مجالات السياسة والثقافة والدبلوماسية والأمن.
ويأتي في مقدمة هذه الأسماء جمال الناظر وزير السياحة الأسبق في عهد الرئيس أنور السادات، والدكتور محمد سيد ياسين أبو دومة الشاعر والأديب وعميد كلية الدراسات العربية السابق والحاصل على جائزة الدولة التقديرية، والدكتور محمود عزوز أبو دومة أستاذ علوم المسرح بجامعة الإسكندرية.
كما خرج من الأسرة عدد من القيادات الوطنية، من بينهم اللواء أمير الناظر، والسفير حسين الناظر، والسفير جمال عبد القادر، واللواء مصطفى عطية أبو دومة، واللواء علي عبد الجواد أبو دومة، إلى جانب العديد من أبناء الأسرة العاملين في القوات المسلحة والشرطة والقضاء.
شهداء حملوا راية الوطن
لم يقتصر دور عائلة أبو دومة على السياسة والعمل العام، بل قدمت أبناءها فداء للوطن في أصعب اللحظات.
ففي حرب أكتوبر 1973 استشهد البطل محمد عبد الجواد أبو دومة بعد مشاركته في عبور قناة السويس ضمن الموجة الأولى للقوات المسلحة، وسجلت مجلة النصر العسكرية بطولاته في صفحاتها.
وفي عام 2013 قدمت الأسرة شهيدا جديدا هو المقدم أحمد رضوان عبد الجواد أبو دومة، معاون مباحث الإسماعيلية، الذي استشهد أثناء أداء واجبه في حماية الأمن والاستقرار.
وهكذا تواصل عائلة أبو دومة حضورها في تاريخ سوهاج ومصر، بين زعامة راسخة وعطاء متواصل وسجل حافل بالمواقف الوطنية، لتبقى واحدة من أبرز العائلات التي صنعت تاريخ مركز طما عبر الأجيال.



