المزيد

نبي الله شعيب.. قصة دعوة ورسالة إصلاح لقوم مدين

 

في تاريخ الأنبياء والرسل، يُعدّ نبي الله شعيب عليه السلام من الشخصيات البارزة التي أرسلها الله لهداية قومٍ ضلّوا الطريق، وهم قوم مدين. كانت هذه الأمة تسكن في منطقة قريبة من أرض الحجاز، وقد عُرفوا بظلمهم وفسادهم في التعامل، حيث كانوا يبخسون المكيال والميزان ويعتدون على المسافرين في طرقهم. أرسل الله تعالى شعيبًا بدعوة للإصلاح والعدل، ولينهاهم عن عبادة الأيكة وإيذاء الناس، موجهًا رسالته إليهم ببلاغة وفصاحة، حتى عُرف بخطيب الأنبياء. ورغم جهود شعيب، لم يستجب أغلب قومه لدعوته، فعاقبهم الله بعذابٍ شديد، بينما نجّى المؤمنين الذين تبعوه وآمنوا بدعوته.

أرسل الله تعالى نبيه شعيب عليه السلام إلى قوم مدين، وهم قوم من العرب سكنوا مدينة قرب أطراف الشام من ناحية الحجاز وقريبة من منطقة قوم لوط. ينحدر نسبهم من مدين بن إبراهيم عليه السلام، وقد عرفوا بسوء معاملتهم للناس وممارساتهم غير العادلة، حيث كانوا يبخسون في الكيل والميزان، ويعتدون على المسافرين ويخيفونهم.

تميز شعيب عليه السلام ببلاغته وفصاحته، حتى لُقّب بخطيب الأنبياء، وقد روى ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يقول: “ذاك خطيب الأنبياء” عند ذكره شعيبًا. دعاه الله لإرشاد قومه ووعظهم بالعدل والإحسان، وترك عبادة الأيكة، وهي شجرة كبيرة كانت مقدسة لديهم. ومع أن بعضهم آمن، إلا أن الأغلبية سخرت من دعوته ورفضتها، قائلين له كما جاء في القرآن: **”قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ”** (سورة هود، آية 87).

رد شعيب بحكمة وإصرار قائلاً: **”قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا”** (سورة هود، آية 88). وبيّن لهم ضرورة الإصلاح والإيمان بالله. ومع ذلك، بقي قومه متعنتين، مستخفّين برسالته، ومعتبرين أنهم يحترمونه فقط لقوة قبيلته لا أكثر.

بعد أن استمر قوم مدين في كفرهم، دعا شعيب ربه قائلاً: **”رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ”** (سورة الأعراف، آية 89)، فجاء عقاب الله عليهم. ذكر القرآن الكريم أن قوم مدين أصابتهم **الرجفة**، فاهتزت الأرض بشدة تحتهم وأزهقت أرواحهم. كما أوردت سورة الشعراء عذابًا آخر، حيث ابتلاهم الله بحر شديد ومنع عنهم الهواء لسبعة أيام، وعندما اجتمعوا تحت سحابة ظنوها حماية، رمتهم السحابة بشرر وصواعق، فهلكوا بصيحة سماوية شديدة، بينما نجا شعيب ومن آمن معه.

وبعد هذه الحادثة، يُذكر عن الحافظ ابن عساكر أن شعيبًا عاش بعد ذلك في مكة وتوفي هناك، ودفن غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بني سهم، وفقًا لما أورده وهب بن منبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى