المزيد

قصة يوسف: كيف جمع الله شمل العائلة بعد الفراق؟

إن قصة يوسف عليه السلام تعد واحدة من أجمل القصص القرآنية التي تحمل في طياتها معاني عميقة ودروسًا قيمة حول الصبر، الإيمان، والتسامح. فبينما عاش يوسف تجربة فريدة من الألم والفراق، أسس لرحلة ملحمية من التحديات والانتصارات. وكيف كانت عائلته بمثابة حجر الزاوية في هذه القصة، حيث جمعت شملها بعد فراق طويل بفضل مشيئة الله تعالى ورحمته.

في هذه السطور، نستعرض كيف جمع الله شمل عائلة يوسف من جديد، موضحين الأحداث التي تخللت هذه الرحلة، وما قدمته من عبر ودروس تعكس عظمة العناية الإلهية وقدرة الله على جمع شمل المتباعدين، وكيف أن الرحمة والتسامح يمكن أن يسودا في أوقات الشدائد.

أمر يعقوب عليه السلام أبناءه بالعودة إلى عزيز مصر ليقدموا له صدقة كفدية لشقيقهم، وطالبهم بأن يبحثوا عن يوسف دون يأس أو ملل، لأن اليأس من روح الله لا يأتي إلا من الكافرين. استجاب الأبناء لهذا الأمر، وجلبوا معهم إلى عزيز مصر دراهم قليلة، وفقًا لما ذكره المفسرون، بينما تشير رواية أخرى إلى أنهم حملوا حبوب صنوبر وحب البطم.

عندما رأى يوسف عليه السلام عائلته بهذه الحالة، عطف عليهم وأخبرهم بأنه شقيقهم. تعجب الأشقاء من عدم معرفتهم له رغم أنهم رأوه مرات عديدة، وأقروا بأن الله قد فضله عليهم ومنحه ما لم يعطهم، واعتذروا عما فعلوه. إلا أن يوسف عليه السلام طمأنهم بأنه لن يعاتبهم على ما مضى، كما ورد في قوله تعالى: “قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ”.

ثم أمر يوسف إخوته بأن يذهبوا إلى والدهم، يعقوب، ويضعوا على عينيه قميصه حتى يستعيد بصره بعد طول فقدانه. كما طلب منهم أن يحضروا جميع أفراد العائلة إلى مصر لجمع شملهم بعد طول الفراق.

وذكر عبد الرازق أنه سمع عن ابن عباس أنه عندما غادرت القافلة من مصر هبت ريح قوية جلبت إلى يعقوب رائحة قميص يوسف، فقال: “إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ”. وقال الحسن البصري إن المسافة بين يوسف ويعقوب كانت 80 فرسخًا، واستمر فراقهما 80 عامًا.

عندما عاد الأشقاء إلى والدهم وألقوا قميص يوسف على عينيه، استعاد بصره، وأخبرهم بأنه كان مؤمنًا بأن الله سيجمع شمله بيوسف ولو بعد حين. طلبوا منه أن يستغفر لهم، وكان يعقوب يعلم أن توبتهم صادقة، فاستغفر لهم الله عما فعلوه. وأفاد العلماء أن يعقوب انتظر حتى يستغفر الله لأبنائه في وقت السحر، أو في يوم الجمعة، حيث قال لهم: “قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ”، مما يعني أنه لم يستغفر لهم على الفور، بل وعد بأن يحدث ذلك في المستقبل لحكمة يعلمها.

اختلف المفسرون حول عدد أفراد عائلة يوسف الذين جاءوا مع يعقوب إلى مصر، ولكنهم اتفقوا على أنهم جميعًا سجدوا له تحيةً عندما وصلوا، تمامًا كما رأى في رؤيته في صغره.

بعد لم شمل عائلته، أدرك يوسف عليه السلام أن رسالته قد اكتملت، فدعا ربه قائلًا: “رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ”.

وفقًا لبعض المفسرين، دعا يوسف بهذا الدعاء عند احتضاره. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: “ما تمنى نبي الموت قبل يوسف”. وعندما اقتربت وفاة يوسف عليه السلام، أوصى أن يُحمل إلى بلده ليدفن بجوار آبائه: يعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام، وكان عمره حين وفاته 110 أعوام، كما قال المفسرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى