الحسن بن الهيثم: رائد علم البصريات والفكر العلمي
أسماء صبحي
الحسن بن الهيثم، هو عالم موسوعي مسلم من العصر الذهبي للإسلام، ويعد أحد أعظم العلماء في التاريخ. ولد في مدينة البصرة بالعراق، وكان له إسهامات بارزة في مجموعة متنوعة من المجالات العلمية، بما في ذلك الرياضيات، والفيزياء، وعلم الفلك، والفلسفة. ومع ذلك، يعتبر إسهامه في علم البصريات من أهم إنجازاته، وقد مهدت أعماله الطريق لتطور هذا العلم فيما بعد في الغرب.
بداية مشواره العلمي
نشأ الحسن بن الهيثم في عصر كان فيه العلم والثقافة يتطوران بسرعة في العالم الإسلامي. ودرس الفلسفة والعلوم الطبيعية منذ سن مبكرة وظهر اهتمامه الخاص بالرياضيات والفيزياء. ولم يقتصر علمه على الجوانب النظرية، بل كانت لديه قدرة استثنائية على تطبيق المعرفة العلمية بشكل عملي، وهو ما تجلّى لاحقًا في تجربته مع الضوء والبصريات.
يعد “كتاب المناظر” أشهر أعمال ابن الهيثم، ويعتبر من أبرز الكتب العلمية في القرون الوسطى. وفي هذا الكتاب، قدم الحسن بن الهيثم نظرياته حول الضوء والبصريات، موضحًا كيف ينتقل الضوء في خطوط مستقيمة، وكيفية انعكاسه وانكساره. وقد كان من أوائل العلماء الذين نقدوا نظرية الانبعاث التي كان يعتقد بها الفلاسفة الإغريق مثل بطليموس، والتي تقول بأن العين تصدر شعاعًا لرؤية الأشياء. بدلاً من ذلك، أظهر ابن الهيثم أن الرؤية تحدث عندما يدخل الضوء إلى العين من الأجسام المحيطة، مما وضع الأسس لتطوير علم البصريات الحديث.
المنهج العلمي
كان ابن الهيثم من أوائل العلماء الذين اعتمدوا المنهج العلمي التجريبي في دراساته. ولم يكن يقبل بأي نظرية دون إخضاعها للتجربة والاختبار، وهو ما جعله مختلفًا عن الكثير من العلماء والفلاسفة في عصره. وأجرى تجاربه على الضوء والمرآة ودرس الانعكاسات والانكسارات، مما جعله رائدًا في تطبيق الأساليب العلمية التي أصبحت فيما بعد أساسًا للنهضة العلمية في الغرب.
إلى جانب عمله في البصريات، كتب الحسن بن الهيثم في مجموعة متنوعة من الموضوعات مثل الهندسة، والميكانيكا، والفلك. قدم العديد من الحلول الرياضية المعقدة، وطور مفاهيم تتعلق بالجاذبية والأجرام السماوية، كما بحث في طبيعة الرؤية الليلية وكيفية عمل العين البشرية في الظلام.
تأثير الحسن بن الهيثم على العلوم الغربية
على الرغم من أن ابن الهيثم عاش في العصر الإسلامي الذهبي، إلا أن تأثيره امتد إلى أوروبا خلال عصر النهضة. وترجمت أعماله إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر، وأصبح مرجعًا رئيسيًا لعلماء أوروبا مثل روجر بيكون ويوهانس كيبلر. يعتبر كتاب “المناظر” أحد النصوص العلمية الرئيسية التي ساعدت في تشكيل علم البصريات الحديث وتطويره في الغرب.
ويبقى الحسن بن الهيثم شخصية ملهمة ليس فقط بسبب اكتشافاته العلمية، بل لأنه كان أيضًا من أوائل العلماء الذين اعتمدوا على التفكير النقدي والتجريب العلمي. لقد أثبت أن المعرفة لا تتحقق إلا من خلال التحقيق العلمي المنهجي، وهو المبدأ الذي أصبح حجر الزاوية في العلوم الحديثة.



