وطنيات

مفاخر النصر..اللواء ” باقي زكي”.. صاحب فكرة استخدام المدافع المائية لتدمير خط بارليف

«باقي زكي یوسف یاقوت» لواء أركان حرب مهندس بالقوات المسلحة، مصري قبطي، اسم على مسمى، فهو«باقي» في وجدان الأمة المصریة والعربية كبطل قومي ، وأيضا «زكي» وعبقري، فهو صاحب وصانع مفتاح النصر في ملحمة حرب أكتوبر المجیدة عام 1973، كان برتبة مقدم إبان حرب أكتوبر، صاحب الفكرة العبقریة بتجریف رمال خط بارلیف على الضفة الشرقیة لقناة السویس، حتى یستطیع الجیش المصري أن يعبر الحاجز المنيع، الذي قال عنه العالم بأسره أنه لا يُقهر، ونجح الجيش المصري في اقتحام الدفاعات الإسرائیلیة، والقضاء على أسطورة «الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر»، لتصبح فكرته هذه مفتاح نصر أكتوبر، وبدونها كان من الصعب اقتحام خط بارلیف المنيع، لم یكن صغر سنه وسط كبار الضباط من قادة المعركة، مانعا أو عائقا أمامه حتى یطلق فكرته العبقریة، التي ردَّت إلینا أرضنا وكرامتنا، وجعلتنا نقهر العدو الذي تباهى بجبروته، وذلك باستخدام مضخات المیاه لفتح ثغرات ودك حصون بارلیف، من هو ذلك العبقري؟ وكيف جاءته الفكرة؟ وكيف نفذها؟

هذا ما سنعرفه من خلال السطور التالية…

وُلد «باقي زكي یوسف یاقوت» بمدینة القنطرة شرق عام 1931، وتخرج في كلیة الهندسة جامعة عین شمس قسم میكانیكا عام 1954، والتحق بالقوات المسلحة في دیسمبر 1954، وخلال فترة عمله بالقوات المسلحة خدم في الكثير من المواقع المختلفة، وتدرج في الرتب العسكرية حتى تم ترقيته إلى رتبة لواء عام 1984، بدأ حیاته العملیة في القوات المسلحة بالعمل في مشروع بناء السد العالي بأسوان، حينما تم ندب ضباط مهندسين للإشراف على الأعمال بالمشروع، وظل هناك حتى تم استدعاؤه وزملاؤه للانضمام لصفوف الضباط المقاتلين في سيناء عقب حرب 1967.

وُلدت فكرته حينما طلب الرئیس الراحل جمال عبدالناصر من قادة الفرق والجیوش، خطة متكاملة للعبور واقتحام خط بارليف، وفي أحد الاجتماعات التحضيرية لحرب أكتوبر برئاسة اللواء سعد زغلول عبدالكریم، قائد الفرقة 19، مع قادة الأفرع؛ لمناقشة ذلك، كان المقدم باقي زكي متواجدا معهم، ويستمع لمناقشاتهم، والآراء المتبادلة بينهم، والتي تدور حول كيفية تجاوز الحاجز المنيع، فتذكر ما كان یحدث أثناء مشروع بناء السد العالي، فكان يتم إزالة رمال الجبال من خلال طلمبات المیاه، فطلب الكلمة للحديث، وهو ما لاقى اندهاش جميع الحضور، متسائلين ما الذي سيضيفه هذا الضابط مهندس الشاب وغير المتخصص في الأعمال العسكرية الحربية لكبار قادة الأفرع؟ فسمح له اللواء زغلول بالحديث، وطرح فكرته قائلا: (یا فندم الإسرائيليين عملوا المشكلة وحطوا حلها تحت رجلیها، الساتر الترابي اللي طوله 21 مترا، وعرضه 12 مترا، وفیه 36 نقطة حصینة، هو اللي هیحل المشكلة، إحنا نجیب طلمبات ماصة كابسة یعنى طلمبات تسحب المیاه من القناة، ثم یتم ضخها بقوة شدیدة على الساتر الترابي، فينهار على الفور ونقدر نخترق الحاجز بعد كده)، صمت الجمیع لحظات في حالة ذهول، وعلى الفور رفع اللواء سعد زغلول سماعة الهاتف، وتحدث مع قائد الجیش الثالث، وشرح له الفكرة التي أذهلته، وحلت العائق الأكبر في المعركة، فأمر بحضور صاحب الفكرة إليه في السابعة صباحا من الیوم التالي، وطلب منه كتابة ملخص للفكرة والتصور لها، ثم عُرضت الفكرة على وزیر الحربیة وقتها الفریق محمد فوزي، الذي عرضها بدوره على الرئیس جمال عبدالناصر، فوافق على تنفيذها عقب تجربتها ونجاحها.

جذور الفكرة

عندما انتُدب « باقي زكي » للعمل في مشروع بناء السد العالي، فكان يشغل منصب رئیس فرع المركبات، وفي هذه الفترة، شاهد عن قرب عملیة تجریف عدة جبال من الأتربة والرمال لبناء السد العالي في أسوان، وكان يتم التجریف عن طريق المیاه المضغوطة بقوة، التي استطاعت إزالة هذه الجبال، ثم يتم إعادة شفط المياه المحملة بالأتربة التي تم إزالتها في مواسیر من خلال مضخات، وذلك لاستغلال هذا الخلیط في بناء جسم السد العالي، وظل هذا المشهد عالقا في ذهن «باقي» إلى أن جاء وقتها ليتم استخدامها ضد العدو الإسرائيلي.

تجربة الفكرة

عقب موافقة الرئيس جمال عبدالناصر تنفيذ الفكرة، بشرط أن يتم تجربتها وإفادته بنتيجة التجارب على الفور، قامت إدارة المهندسین بالعدید من التجارب العملیة والمیدانیة للفكرة زادت عن 300 تجربة، في مناطق متفرقة مشابهة لظروف قناة السویس، وكانت التجربة النهائية أُجريت في جزیرة البلاح في الإسماعيلیة على ساتر ترابي، نتج عن أعمال التطهیر لمجرى قناة السویس الملاحي، یشبه إلى حد كبیر خط بارلیف، وتم فتح ثغرة في الساتر الترابي، وعلى ضوء هذه النتائج استقر رأى الأغلبیة من قیادات الجیش على تنفیذ فكرة الضابط الشاب باقي زكي، وتم إقرار واعتماد استخدام فكرة تجریف الرمال بالمیاه المضغوطة كأسلوب عملي؛ لفتح الثغرات في الساتر الترابي شرق القناة، في عملیات العبور المنتظرة، ولكن وفاة عبدالناصر حالت دون تنفیذ تلك الفكرة.

وعندما تم الاستعداد للعبور عام 1973 قام «باقي» مع بعض زملائه بتصنیع طلمبات الضغط العالي التي سيتم وضعها على عائمات تحملها في میاه القناة، ومنها تنطلق بواسطة المدافع المائیة، وتصوب نحو الساتر الترابي خط بارلیف، قام العبقري باقي زكي بتصمیم مدفع مائي فائق القوة بإمكانه أن یُحطم ویُزیل أي عائق أمامه، أو أي ساتر رمل أو ترابي في زمن قیاسي قصیر وبأقل تكلفة ممكنة، مع ندرة الخسائر البشریة، وصنعت هذه المدافع المائیة لمصر شركة ألمانیة بعد إقناعها بأن هذه المدافع المائية سيتم استخدامها في مجال إطفاء الحرائق.

ساعة الصفر في یوم 6 أكتوبر انطلق القائد باقي زكي یوسف مع جنوده، وقاموا بفتح 73 ثغرة في خط بارلیف في زمن قیاسي لا یتعدى الـ 3 ساعات، وساعد هذا في دخول المدرعات المحملة بالجنود والدبابات، وكان ذلك ضمن الموجات الأولى لعبور الجیش المصري إلى الضفة الشرقیة لخط القناة، وهذا العمل الكبیر ساعد وساهم في تحقیق النصر السریع والمفاجئ، وقُدرت كمیات الرمال والأتربة التي انهارت، وأُزیلت من خط بارلیف بنحو 2000 متر مكعب، وهذا العمل یحتاج إلى نحو 500 شخص یعملون لمدة 10 ساعات متواصلة لإزالتها، ونجحت الفكرة نجاحًا باهرًا خلال المعركة، ومن أهم نتائجها أنه تم الانتهاء من فتح أول ثغرة في الساتر الترابي الساعة السادسة من مساء یوم السادس من أكتوبر 1973، وتم الانتهاء من فتح 60 من الممرات المستهدفة في حوالى الساعة العاشرة من مساء یوم السادس من أكتوبر عام 1973 بعد انهیار نحو 90000 متر مكعب من الرمال إلى قاع القناة، كما عبر أول لواء مدرع من معبر القرش شمال الإسماعیلیة في الساعة الثامنة والنصف من مساء یوم السادس من أكتوبر عام 1973، وتحقق النصر العظيم الذي أذهل العالم أجمع، وأعاد الأرض والكرامة لمصر والأمة العربية بفضل فكرة الزكي الباقي.

تم ترقیة المقدم «باقي زكي» ترقية استثنائية تقديرا لدوره العظيم في تحقيق النصر، كما تولى العديد من المناصب القيادية، وتم تكریمه عدة مرات وفي أكثر من مناسبة، فقد منحه الرئیس الراحل أنور السادات في فبرایر 1974، وسام الجمهوریة من الطبقة الثانیة، وكان آخر تكریم له عند بلوغه سن التقاعد عام 1984، فقد منحه الرئیس الراحل حسني مبارك نوط الخدمة من الطبقة الأولى عن أعمال قتال استثنائیة؛ تقديرا للتضحیة والشجاعة الفائقة في مواجهة العدو بمیدان القتال في حرب أكتوبر 1973.

صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها في 23 یونیه 2018 عن عمر یناهز 87 عاما، تم تخليد اسمه بإطلاقه على أحد الأنفاق الكائنة بشارع التسعين الذي يعد أشهر شارع بالقاهرة الجديدة بالتجمع الخامس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى