المزيد

قراءة نقدية : محمد حافظ رجب رائد التجديد المعاصر في القصة العربية في النصف الثانى من القرن العشرين ( 1935-2021م )

قراءة نقدية :
محمد حافظ رجب
رائد التجديد المعاصر في القصة العربية
في النصف الثانى من القرن العشرين
( 1935-2021م

محمد حافظ رجب حاتم عبدالهادى السيد
” نحن جيل بلا أساتذة “؛هكذا نطق ابن حى الورديان بالأسكندرية القاص / محمد حافظ رجب، وكانت تلك المقولة غريبة فى حينها، وقد تسببت في عداء الوسط الثقافي له، ولعل ذلك ما دفع ” نجيب محفوظ” لأن يقول له: «ما الذي دفعك لتكتب السريالية؟ وكيف تقول نحن جيل بلا أساتذة؟!.. توفيق الحكيم أستاذ الكل، وأنا أستاذي سلامة موسى” .. ؛ ولعل ما دفعه إلى ذلك هو رؤيته للخروج من نمط الكتابة التقليدى السائد آنذاك؛ لذا قال رجب : ” لولا قصصى ما كتب نجيب محفوظ ثرثرة فوق النيل، وغيرها . ولقد انبهر به / يحيى حقي ونشر له عددا من قصصه في مجلة «المجلة”وكتب عنه؛ يقول : «لقد التقيت بفنان يسبق زمانه، تجده يمسك القلم كريشة في مهب الريح، إنه غيَّر من شكل ومضمون وأسلوب ومضمون القصة».؛ كما أعجب به الأديب / محمود تيمور ونشر له في مجلة القصة ؛حينذاك . ولقد جاء ذكره في قاموس “أكسفورد ” ؛ كأهم مجدد في القصة القصيرة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين.
ولقد ولد رائد التجديد في القصة المعاصرة عام 1935م فى الأسكندرية، وكان يعمل بائعاً ” للمسليات ” أمام سينما “ستراند” في الليل، وفى النهار يبيع ” الفريسكا ” على شاطىء بحر الأسكندرية الكوزموباليتانية ؛وأمام باب السينما ” بمحطة الرمل ” رأى ” لطفى الخولى ” فعرفه بأنه قاص وطلب منه الخولى أن يعمل في القاهرة فوافق ليظهر محمد حافظ رجب، ولتنشر ابداعاته في الصحف والمجلات .
ولقد كتب أول قصة له بعنوان :«الجلباب»؛ ثم أصدر مجموعته القصصية «غرباء» عام 1968م؛”الكرة ورأس الرجل”؛ «مخلوقات براد الشاى المغلى»، و«حماصة وقهقهات الحمير الذكية»، و«اشتعال رأس الميت»، و«طارق ليل الظلمات»، و«رقصات مرحة لبغال البلدية»، و«عشق كوب عصير الجوافة».،«ظل الحرب.. الألم القبيح» كما قامت دار العين بالقاهرة بطبع الأعمال الكاملة له عام 2011م .كما كرمه اتحاد الكتاب بجائزة ” أفضل كاتب قصة “، وكذلك تم عقد مؤتمركبيرله في مختبر السرديات بالأسكندرية؛ حيث كان الروائى / منير عتيبة يتناوب زيارته، بعد أن مات صديقه المبدع الكبير / ابراهيم أصلان .
وقبل أن يتم تأسيس اتحاد كتاب مصر أسس محمد حافظ رجب «رابطة أدباء القطر المصري» مع المصور” زكريا محمد عيسى”؛ لكنها لم تنجح؛ والتى كانت هى النواة الأولى لتأسيس اتحاد كتاب مصر؛ كما قام بتأسيس رابطة أخرى هي «كتاب الطليعة» 1956م.؛ وكان الرجل مكافحاً فكان يبيع السجائر ويكتب عن معاناة البسطاء فكتب قصصه الشهيرة : «مخلوقات براد الشاي المغلي» عام 1979،والتى تصور المعاناة والقهر في الواقع المصرى، ومدى جشع الأجانب نحو المال آنذاك . وفى الأسكندرية رأى – مصادفة – ” يوسف السباعى” فعرض عليه كتاباته فلم يهتم بها، ثم طلب منه العمل فالحقه في أرشيف المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب براتب بسيط، وكان عمله كموزع للملفات على الموظفين رغم كونه مبدعاً ، وهذا الأمر ظل يؤلمه طوال حياته،فقال مقولته الشهيرة :«وجدت أدباء يدورون في فلك يوسف السباعي، وآخرين أصبحوا عبيدا للنظام الحاكم، وأنا لم أكن أيا من الفريقين.
… نحن جيل بلا أساتذة»، ثم ترك العمل بالقاهرة وعاد إلى الأسكندرية ليبدأ رحلة الكتابة؛والعزلة من جديد ؛ولقد ذاعت شهرته؛وأطلق عليه:«مبدع الهذيان»،ولقد كانت كتاباته حداثية، بل ما بعد حداثية؛ وتقترب من القصة القصيرة جداً؛ أوالقصة «التويترية» – على حد قول كثير من النقاد- ولقد ترجمت أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية،وغيرها ؛ ومع كل هذا الزخم فلم يحظ بالشهرة التى تليق به؛ ورحل عن عالمنا يوم الجمعة فى 12 من شهر فبراير 2021 م.
(2)
( رقصات مرحة لبغال البلدية )
وفي قصته : ” رقصات مرحة لبغال البلدية” نلمح تغايرية في سرد الحداث، فالحداث تتشطى طوال الوقت، عبر فنتازيا تحيلنا إلى الواقعية السحرية، او إلى مسرح العبث والفوضى، فالقصة مليئة بالشخصيات ، وكأن تختصر الحارة بكل تفاصيلها الكثيرة عبر هذه الوريقات التى تتضمن سرداً وأحداثاً ومواقف لواقع الحارة المصرية الفقيرة، حيث الولد يشبه الجدار، بل هو جزء منه، وهو جدار متهالك لا يصلح للحياة، ومع ذلك لا يجد العشاء، كذلك الأطفال والشخصيات أغلبهم من الهامشيين المحطمين، بل والمقهورين، ثم لنلمح ” تحزم بغل البلدية ” ليرقص مع عصا الرجل الذى خرج للمعاش، كما نلمح الحزن والخوف والقلق، والصراع المتلاحق بين سكان الحارة بين المرأة نعيمة والعمدة ونزواته السرية، وبين النساء العاريات في المولد ، ومناظر الفقر الرث، وتتناثر الفكاهة مع الدراماتيكية لتعيد تأسيس ” العبث ” أو ” مسرح الجنون ” ؛ وكأننا أمام رواية ، لا قصة قصيرة، وأمام مشاهد درامية، وفنتازيا عبر حواريات، ورسم لمناظر بصرية، فكأنه يقدم مسرحية: بل نراه يماهى بذلك في وصف المكان والمشاهد والأحداث، عبر ” تيار الوعى”، و ” اللاوعى، فهو يقلب تراتبية السرد، ويقطعه إلى مشاهد سينمائية، او إلى تمثيلية غير مذاعة لأبطال حقيقيين من رحم الواقع المصرى، كما نلمح ترميزية خاصة لدى المسجون ” سرحان بشارة قاتل كيندى” ، وحيث فنتازيا الحراسة والسجن ، نراه ينتقل في ثوان إلى مواقف اخرى، وكأنه يصور لنا العديد من المشاهد فتشعر انك أمام معرضاً لصور الحارة والعزبة، والقرى المجاورة، وهى يرسم الشخصيات بعناية، ميتخدماً التكثيف، وتراكم الرمز عبر المخيال الشعبى، كما يشير عبر ” اللغة المتقافزة ” – أى السريعة الإنتقال من حال إلى حال، ومن موقف يصوره، او يصفه إلى موقف مغاير، ولعل هذه” السيميائية ” الساردة تحيلنا إلى تعالقات ذهنية، ومعادلات ضمنية، وسياقية يستدعيها طوال الوقت، حيث يظل القارىء متيقظاً ، بل يجرى معه في تلابيب الأحداث المتلاحقة ليشاهد المناظر المتدافعة، والجمل المموسقة : ” “حسب المقام.. حسب الفلوس.. يحصل قيام.. يحصل جلوس .. “. وتدلل مثل هذه الجمل إلى الطبقية من جهة، وإلى مدى تعامل الناس في زمان القصة من جشع، وتعمية للحق نظير الفلوس، وكانها فنتازيا مغايرة لأحداث تفكيكية، يفكك بنائيتها، على عكس التوقع، ليحيلنا إلى خلف ظاهر النص السردى المدهش. ولنلحظ أن / محمد حافظ رجب قد بدأ جملته بجملة تقريرية ساحرة : “هو رجل تصدع كل شئ حوله هو الآخر تصدع”؛ وتجىء النهاية المدهشة فقد تصدع الجدار على الرجل كذلك ؛ تقول النهاية المفارقة : ( فى الثالثة صباحاً.. استيقظت (الجدة) بغتة من سباتها العميق.. شدها شئ غامض كل الغموض.. قبض على قلبها : عصره بقوة حتى نزف دماً خرجت للرجل المتصدع.. وجدته داخل الجدار شاحباً.. اقتربت منه.. لم يتحرك.. حملقت فى وجهه وجدته قطعة حجر باردة هزته.. ترنح.. هزته مرة ثانية.. ترنح.. فجأة سقط.. تهاوى فوق الجدار.. غطاه.. صرخت الجدة) .
وعبر البداية والنهاية تتكشف سيموطيقا السرد المخاتل، والتفاصيل الكثيرة التى تعرى الواقع، لتظل المقدمة والنهاية هما الموقفان المضيئان في القصة، وهما الذان يحركان مسيرة السرد السيميائى الشاهق، والرائع، والمتدافع، والمثير، والمخاتل، والجديد كذلك .
(3)
( الكرة ورأس الرجل.. )
منذ البداية يستخدم / محمد حافظ رجب في قصته الرائدة: ” الكرة ورأس الرجل ” المنهج السيميائى الإدهاشى، عبر الصور الحية التى تكاد تنطق من شدة جماليتها؛ ولنلمح بداية السرد المثيولوجى، وفرادة المشهد، وتنامى هارمونيطيقا السرد عبر جمالية اللغة، وانتقالات الأسئلة ، وتتابع الأحداث في سرعة وأناقة، عبراقتصاديات اللغة المائزة، الماتعة،الرشيقة؛ يقول : (قال الرجل الذى بلا رأس للشـــرطي الواقف خلف سور الملعب :هل لك أن تساعدني يا سيدي الشــرطي .. لأســترد رأسي التي يلعبون به داخل الملعب .. ومد الشـــرطي يده له، ليتعلق بها قائلاً : لنبدأ ) .
إن هذه البداية الفتازية، المثيرة تكشف لنا عالمية السرد لديه؛ ومدى الحميمية التى يكسبها للقارىء منذ السطر الأول لقصته الرائعة . ثم ينتقل بنا إلى حكايته – بعد أن أصبح المعلق الرياضى للمباريات – مع رئيس تحرير المجلة التى لم تعد توزع وكسدت، فكان ان تركها وتحول إلى معلق رياضى ليلتقى برئيس التحرير ليتندر عليه ؛ويطلب منه أن يعمل موزعاً للكرة ؛وراء اللاعبين، كى يكسب أكثر مما يفعله في وظيفته المهيبة؛ فيتركه رئيس التحرير ويخرج لاعناً اياه، لكن صديقه القديم يعطيه تذكرة لمشاهدة المباراة فيذهب ليجدهم يلعبون بكرة تشبه رأسه. ولنلحظ أن النهاية – دوماً – عنده، تكون مشابهة لمقدمة القصة، وكأنها لازمة تميز سيميائية السرد لديه، تقول النهاية : ( ومنحنى تذكرة مجانية لمشاهدة مباراة ستقام اليوم .. قال : إنها أهم مباراة في هذا الموسم .. اذهب لتراها. .. وأخرج من فمه السيجار الذي لم يشعله بعد، وأدخله في فمي : خذ هذا أيضاً – اشعله في الملعب – إنه من لوازم مشاهدة مباريات كرة القدم .. وإلى اللقاء …وانصرف …وقررت أن أذهب على الفور … تبينت أن تذكرتي تسمح لي بالجلوس بين الناس الذين كانوا منذ زمن يشترون مجلتنا. كانوا وقتها معجبين برأسي .. لكن ملامح وجوههم الآن تؤكد أن إعجابهم تحول عن رأسي مسافة لا شك أنها طويلة … فجأة دخل لاعبو أحد الفريقين يحملون الكرة .ولم تكد عيون الآلاف ترمقها حتى قاموا صائحين في جنون .. وتحسست في تلك اللحظة رأسي .. ورحت أقارن بين الكرة : الكرة مستديرة .. ورأسي هو الآخر مستدير).
إنها قصص تشبه قصص ” مكسيم جوركى”، أو ” تشيكوف ” ، بل تناظرهما وتتعداهما ،عبر السرد الذى ينقلك من مشهدية إلى أخرى،ومن سخرية وتهكم على واقع الصحافة المزرى، إلى واقع الإعلام الرياضى الأكثر زهواً، وكأن الأمر بات أشبه بالصورة والنقيض، بالقيم الحقة مقابل الزيف، مع عقد تقارنية، وتناظرية بين مستوى رئيس تحرير، ووضعه الإقتصادى،والمادى؛ ومستوى معلق رياضى، وهو يعكس ازدواجية في المعايير الإقتصادية للمجتمع، وفقدان قيمة توزيع المجلات مقارنة بتوزيع وقيمة تذاكر المباراة، ومدى تهافت الجمهور حول المبارة، واحجامهم عن شراء المجلات والقراءة، بما يسم العصر ويدينه عبر سخرية، ومواقف لطيفة،عبر فنتازيا يطعمها بدراما، وتراجيدية ساخرة، وبحس لطيف،ولغة انتقالية للأحداث ؛ماتعة، ثم نهاية تؤكد البداية، وتترك القارىء ليكمل القصة،في شغف ونهم شديدين؛ فنهايات أغلب قصصة مفتوحة، وعلى القارىء سد الفجوة، أو هى ادانة للمجتمع كذلك.
يظل الكاتب الرائع / محمد حافظ رجب أكثر تجديدية؛ لا في أوائل الستينات فحسب، بل تظل كتاباته تجريباً مستمراً في عالم القصة القصيرة، وتؤطر لأشكال جديدة رأيناها على الساحة مثل : القصة الومضة، والقصة القصيرة جداً ( ق. ص ج ) ، والقصة الشاعرة؛ والإبيجراما القصصية، القصة التويترية ( عبر تغريدات تويتر على الشبكة العنكبوتية)،والقصة التفاعلية،وقصص الحداثة؛ وما بعدياتها السيميائية، بل والسيريالية كذلك .
إن القارىء لقصص ذلك الرائد سيشعر بالتغايرية، فهو يستخدم ” النقط ” وعلامات الترقيم التى لم يستخدمها كتاب الستينات –كما يضيف إليها النقط المتتالية،والفواصل ،و” تقنيات ” القص والحذف “؛وهى تقنيات سينمائية، كما يستخدم لغة الحوار ” الدراما ” لتتعدد لديه مستويات السرد، وصوت الراوى / الرواة؛ وكأنه حتى في الشكل وجدناه مجدداً، كما جدد في الموضوع، كما كان يتكىء على اللغة الوحشية الغير مألوفة،لا الحوشية؛ عبر تصاويره الماتعة المدهشة؛وكانه يأسطر القصّ؛ ويصنع الأسطورة؛ عبر المثيولوجيا للشخصيات، ويبدأ -عبر المخاتلة- في الإنتقال من موضوع لموقفٍ،ومن مشهدٍ لقضية،ومن حدث إلى زمكانيات تعددية؛أكسبته فرادة على كتاب جيله، ولعل الكثير ممن جايلوه قد ناصبوه الحسد والعداء؛ لأن نجمه بدأ في السطوع بما يهدد عروشهم التى ابتنوها بحق، أو بغير حقٍ – عبر الإعلام – آنذاك – لكن أسلوبه اقترن كذلك بالنقد والسخرية لا من التهكم الفنتازى،فحسب، بل وجدناه يسقط مرموزاته،دون أن يدينه أحد، وينتقد الواقع السياسى، والإجتماعى، والإقتصادى دون أن تُوَجَّهَ إليه تهمة، فهو يُغَلِّفُ السرد بسيميائية، وسريالية رائعين، ويترك خلف ظاهر النص للتأويل، ويجذب القارىء -من رقبته عُنْوَةً- ليتابعه حتى النهاية، نظراً لسرعة الإنتقالات السامقة، وتتابع هارمونى السرد، واللغة الرشيقة لديه، فكأنه ساحر يأسر القارىء، وعارف خبير بمكنونات السرد المكتنز،عبر راوٍ عليم تارة،وراوٍ غير محايد بالمرة، ماكر،ومخاتل،لكنه صادق طوال الوقت كذلك .
سيظل الكاتب الشاهق المصرى السكندرى / محمد حافظ رجب أيقونة القصة المصرية، والعربية، ويظل الباعث لنهضة القصة القصيرة لعقود ممتدة . ثم أليس هو القائل : ( القصة تعطيني سرها، فتخرج من داخلي مشاعر الشعور بالغبطة والصراع والانفجار، لذا هي لم تأخذ شكل السرد التقليدي،والمشاهد الوحشية هي نتيجة ما عايشته من عنف قاهر)..
إنه الرائد المجدد، وباعث النهضة العربية، عبر تيار الوعى ، في الستينات، كما امتد أثره إلى أجيال متلاحقة، كما أسلفنا ، فَلُقِّبَ برائدِ التجريب والأصالة ، والمتشرف لأفق جديد للقصة العربية المعاصرة .
حاتم عبدالهادى السيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى