عادات و تقاليدقبائل و عائلات

القضاء العرفي والتحكيم عند «القبائل العربية»

إعداد وتحقيق المؤرخ: محمد سليمان الطيب – «خاص صوت القبائل العربية»

«القضاء العرفي» هو وسيلة متعارف عليها في مصر للتحكيم بين الخصوم، وأحكامه لها قوة الإلزام الفاعلة بين العائلات الكبيرة والقبائل العربية بمصر، لاسيما في سيناء والشرقية ومحافظات الدلتا وصعيد مصر ومريوط وغرب الإسكندرية.

وفي كثيرٍ من الأحيان تكون أحكامه معترف بها ضمنيا من الجهات الأمنية فهي تلجأ له أحياناً لفض المنازعات الكبيرة بين العائلات للقضاء على ظاهرة الثأر، خاصة إذا كانت الجلسة العرفية أو مجالس الصلح سيكون لها ثمرة وهي الصلح والوفاق وإطفاء الفتنة، ومنظومة القضاء العرفي فعالةٌ جداً إذا كان المعتدى عليه يرضى بالتعويض المالي والإعتذار، ولأن القضاء العرفي أمر بالغ الأهمية لدى القبائل العربية لذا سيتم تقسيمة على عدة حلقات نتناول في كل منها جانب من جوانبه حتى يتم الإلمام به كاملا ثم نبدأ في نشر جلسات المحاكمات العرفية البارزة بهذه المجتمعات.

نشأة القانون العرفي في مصر

في القرن العاشر الهجري وبالتحديد عام 1100 هـ، إجتمع زعماء وشيوخ القبائل العربية لإعداد “دربة أولاد علي” والتي تعد بمثابة قانون ملزم لجميع قبائل أولاد علي غرب مصر باعتبارها صمام الأمان بين أبنائها، تقضي بينهم في مشكلاتهم وأحوالهم المدنية والشخصية، وفي الستينيات طبق نظام الإدارة المدنية المحلية في محافظة مطروح، كما تم إنشاء المحاكم المدنية ونظام القضاء العادي الحكومي، وبالرغم من وجود هذه المحاكم فإن حفظ الأمن والنظام لم يأتي في هذه البقاع من غرب مصر إلا بعدما ظلت الدربة التي أنشأها أولاد علي سارية المفعول عند قبائل المغاربة في كل الظروف وعلى مختلف الأحوال.

أما القانون العرفي عند «قبائل المشارقة» الذين دخلوا مصر قادمين من جزيرة العرب والشام بعد دخول أسلاف قبيلة أولاد علي وبقية قبائل المغاربة بفترة كبيرة، فإن عندهم قانون غیر مکتوب ملزم لجميع قبائل المشارقة ولا يطبق على قبائل المغاربة.

مع أن «قبائل المغاربة» معظمها من الجزيرة العربية أيضا سواء كانوا بقايا العرب الفاتحين وهم المرابطين أو بقايا الأشراف أو فروعا من قبائل قيس عيلان العدنانية مثل بني سليم وبني هلال وغطفان وفهم وعدوان وغيرهم من قبائل مضرية عدنانية سبقتهم لبلاد المغرب مثل تميم وهذيل، إلا أن هذه القبائل العربية العريقة في أصولها لا تقر معظم القوانين العرفية لقبائل المشارقة التي تقع في شرق مصر، والتي نزحت بعد الفتح الإسلامي بفترة كبيرة.

مصادر القانون العرفي

تتميز المجتمعات القبلية بتكوين إجتماعي يختلف عن مثيله في المجتمعات الحضرية وخاصة في احترام كبار القبيلة للعادات والأعراف والتقاليد الموروثة خلفاً عن سلف، وكابرا عن كابر عبر مئات السنين، ومعظم العرف لا يخالف مباديء الشرع الإسلامي، بل يتوافق معه، وكم أن المجتمع القبائلي قد سادت فيه السكينة عبر مئات السنين بسبب صرامة القوانين العرفية، والتي تعتبر في نظر الجميع من قبائل العرب مقدسة والعبث بها يعتبر عاراً و شناراً لربما من يجرؤ على ذلك يقاطع من القبائل وينبذ إلى الأبد.

قانون القضاء العرفي غير مكتوب

يعتبر القضاء العرفي في البادية قانون غير مكتوب وملزم للجميع وذلك في ظل العادات والتقاليد الموروثة التي تميز بها المجتمع القبلي عن غيره، ففي سيناء والصحراء الشرقية والصحراء الغربية والساحل الشمالي والصعيد الأعلى تقطن قبائل ترجع للفصل في النزاعات فيما بينها أو بين أبنائها لقانون غير مكتوب ولكنه ملزم للجميع، وهو قانون خاص لفض المنازعات التي تنشأ بين الأفراد والقبائل.

مطالب مشايخ القبائل بتقنينه دستوريا

لا يوجد اعتراف رسمي من الدولة حتى الآن بالقضاء والتحكيم العرفي، وقد طالب شيوخ قبائل البادية وغيرهم من شيوخ قبائل العرب في داخل وادي النيل بوضع نص في الدستور المصري يعترف بالقضاء العرفي المعمول به في أوساط القبائل العربية و لم يحسم هذا الأمر حتى الوقت الحاضر.

وقد أكد مشايخ القبائل العربية في مصر بالعامرية وغيرها مراراً أن القضاء العرفي يتسق مع العادات والتقاليد الخاصة بالقبائل العربية، ولابد أن يعترف به، وهو لا يعني أن القضاء العرفي بديل عن القضاء المدني بل مكملا له، وأوضحوا أن القضاء العرفي يحل 90% من المشكلات التي تعاني منها القبائل العربية في مصر.

المنازعات التي تخضع للقضاء العرفي

القضاء العرفي يتدخل في كافة القضايا كالسرقة والنصب والقتل والسب والقذف وقضايا الشرف والعرض، ولكل جريمة أحكامها بل تتعدد الأحكام داخل الجريمة الواحدة حسب ملابساتها وخطورتها ونتائجها، وكما تختلف تخصصات القضاة في كل قبيلة، فهناك قاضٍ يختص بالقتل و قطع حق الرقاب، وهناك قاضٍ لقضايا المال، و آخر للعرض والشرف، ومع تطور العصر وما فيه من تكنولوجيا دخل نزاع قضايا تخص التشهير باستخدام المحمول والإنترنت في الشبكة العنكبوتية، ويكون الحكم فيها متناسبا مع قواعد الشريعة الإسلامية.

العقوبات التي يصدرها القاضي العرفي

لا يستطيع القضاء العرفي الحكم بعقوبات الإعدام أو الإيذاء الجسدي أو عقوبات سالبة للحرية كالسجن، ولكنه يستطيع الحكم بإبعاد شخص ما عن مكان ما منعا للشر وإثارة الفتنة أو إثارة الأوجاع واستذکارها في نفوس الناس المعتدى عليهم.

معايير اختيار رجال القضاء العرفي

القاضي العرفي أو المرضي عند قبائل المغاربة (غرب مصر) هو غالبا من قبيلة أولاد علي، يتصف بالأخلاق الحميدة ذو فكر صائب على دراية وخبرة بدربة أولاد علي التي هي مرجعية للعرف كله عند قبائل المغاربة، وذلك ليتمكن هذا القاضي من خلال معرفته للدربة في النظر بجميع النزاعات على اختلاف أنواعها، وغالبا ما يكون فيها بمبالغ مادية أو بالذبائح التي لا مناص منها، حتى يرد للشخص المعتدى عليه اعتباره بين أفراد قبيلته والمجتمع الذي يعيش فيه.

أما في قبائل المشارقة فالمتعارف عليه أن القضاء العرفي له أقسام واختصاصات كالتالي:

  • منقع الدم وهو من يختص بقص الجروح والرقاب وهو غالبا من عشيرة السلالمة من قبيلة الحويطات ويقال لهذا القاضي (السليلمي) منقع الدم للقبائل.
  • الضريبي وهو القاضي الأول الذي يلجأ له المتنازعين كى يحدد لهم نوع القضية ويرفعهم إلى القاضي المختص في قضيتهم المعروضة عليه سواء تخص قص الدم أو تمس العرض والشرف أو تمس الأموال أو الديار أو البيوت… إلخ واشتهر به الحويطات.
  • زيود المال وهو القاضي المختص بالأموال بأنواعها وتشتهر به قبائل الترابين والعيايدة والسواركة، والمنشد أو المنهي هو القاضي المسعودي.
  • حق البيوت وحرمتها وهو القاضي المختص بهذا النوع من القضايا وتشتهر به عشيرة الأحامدة من قبيلة بلي.
  • المنشد: وهو قاضي منهى للحكي المحول إليه خاصة لتقطيع الوجوه والأموال والشرف وتختص به قبيلة المساعيد.
  • الحريم وحق النساء وهو قاضي منهى للحكم في قضايا كل ما يخص المرأة البدوية وقضايا العرض و تختص به قبيلة بني عقبة ويسمى القاضي العقبي، ويحكم أيضا القاضي العقبي في قضايا الخيول.

الاستعداد للجلسة العرفية

لا تبدأ جلساته أبداً بدون كفيل غارم مقبول وحسن السمعة ومعروف بالصدق لكل من الطرفين المتنازعين ولهيئة التحكيم من القضاة المعهود إليهم الحكم في القضية، وإن لم يكن كفيل مقبول يكون البديل هو الحصول على ضمانات مالية ملموسة، وأيضا وعود شرف تؤخذ من ألسنة كبار العائلات في الأطراف المتنازعة، ويقال لمن وعد منهم أعطى الرجل الفلاني وجهه أى أن كرامته وبياض وجهه مرتبطا بعدم إخلاله بوعوده لمجلس التحكيم.

إجراءات بدء جلسات التحكيم العرفي

تبدأ الإجراءات بتدخل وسيط محايد للتقريب بين أطراف النزاع، ويستضيف جلسة الصلح في منزله وتعقد بحضور كبار العائلات المتنازعة، ويتكفل الطرف المخطيء بتقديم المأكولات والمشروبات وواجب الضيافة، ويلتزم كل طرف باحترام القاضي ومراعاة حرمة مكان التقاضي، وعدم الإحتكاك فيما بينهما، وإلا وقع في مشكلة أكبر من القضية ذاتها.

ويتم توصيف الواقعة خلال الجلسة، ففي حالة التعدي بالضرب فإن الجرح الظاهر يختلف في قصاصه عن الجرح المستتر، ويقاس بعقلة الأصبع أو ما يسمى البنانا، وعلى أساسها تقدر غرامة الجاني، وفي القتل التعامل بحق الدم وفيه تفرض دية على أهل القاتل تبدأ من نصف مليون إلى مليون جنيه، على أساس توافق الشريعة الإسلامية في القتل العمد الدية فيه مائة بعير وهى تساوي هذا المبلغ الآن. أما القتل الخطأ فيمكن القبول فيه بنصف دية أو 4/ 1 دية أو التسامح عن الدم نهائيا، لو كان أهل القتيل ليسوا فقراء هذا الأمر عند أبناء القبائل العربية.

أما في عُرف أهل الصعيد وهم غالباً لا يسيرون وراء العرف القبائلي ولا يقبلون الدية إلا نادراً، ولو وافق أهل المقتول في السماح عن دم ابنهم لظروف قدروها من وجود خطأ ارتكبه إبنهم تسبب في موته، ولكنهم يشترطون من القاتل مقابل السماح أن يأتي سيراً على الأقدام، ويحمل كفنه معه في يده ويدخل على أهل القتيل طالبا السماح والغفران أو كأنه يقول روحي أمامكم فاقتصوا منها أو العفو، والعفو من شيم الكرام وغالباً ما يعفوا عنه لأنه في نظرهم قد قتل نفسه وهم الذين وهبوا له الحياة تكريماً منهم.

أما عادة حمل الكفن فلا تقرها القبائل العربية ولا يقرها العرب من الأصول البدوية إما أن يقبل أهل القتيل الدية أو يرفضوها ويثأروا لأنفسهم من القاتل أو عصبته الأقربين ولا ثالث لذلك الأمر.

ولا يمنع أن بعض أو القليل من فروع القبائل المتحضرة في قرى ونجوع وادي النيل قد قلدت أهل الصعيد في موضوع القودة أو حمل الكفن للقاتل.

                  صور لأحد الجلسات العرفية في سيناء
                  صور لأحد الجلسات العرفية في سيناء

 

 

الحلقة القادمة: «كيفية تنفيذ الأحكام التي تصدر ومصطلحات القانون العرفي»

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى