تاريخ ومزارات

سور مجرى العيون: عبق التاريخ بين الحاضر والتطوير

وسط ضوضاء الحياة العصرية وأكوام المخلفات المتراكمة والتعديات العشوائية، يتوارى تاريخ سور مجرى العيون في القاهرة، أحد أعرق الأسوار التاريخية التي شهدت محطات مفصلية من تاريخ مصر في العصر الإسلامي مع ذلك، لم يكن الإهمال قادرًا على طمس أصالة المكان، فاليوم تمتد أيادي التطوير والبناء لتعيد لهذا المعلم الحضاري رونقه وجماله، ضمن سلسلة مشروعات تطويرية تغطي مختلف المحافظات، تستهدف إحياء التراث واستعادة المعالم التاريخية.

تصميم معماري مهيب

يمتد السور على مساحة 3500 متر، ويعلو شامخًا في قلب القاهرة، مبنيًا من أحجار “النحيت” المميزة، ويبدأ من منطقة فم الخليج وصولاً إلى منطقة السيدة عائشة جنوب العاصمة، وللسور جذور تاريخية تعود إلى أكثر من ثمانية قرون، حين أنشئت القناطر الأولى في عهد السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي (1169 – 1193م) لنقل المياه من السواقي إلى قلعة القاهرة، مقر الحكم آنذاك.

القناطر القديمة لم يتبقَ منها سوى آثار محدودة قرب القلعة، فيما أنشئت القناطر الحالية في عهد السلطان محمد بن قلاوون عام 1312، ثم شُيد السور بشكله الحالي في عصر السلطان قنصوة الغوري عام 1501، ليضم ست سواقٍ بالقرب من مسجد السيدة نفيسة، وتقوية المياه لتصل إلى الآبار داخل القلعة، بعد تعرضها للنحر وانحصارها عند منطقة فم الخليج.

طراز عمراني إسلامي أصيل

يُعد سور مجرى العيون نموذجًا رائعًا للفن المعماري الإسلامي، إذ يتكون من برج يُعرف بـ “المأخذ”، وهو برج مسدس الشكل يضم ست سواقٍ، تُقسّم إلى عدة عقود تحمل القناة المائية وتضمن انسياب المياه من النيل إلى القلعة، ومع مرور العصور، أهمل السور حتى تحول إلى منطقة منسية، تحيط بها المخلفات والتعديات العشوائية، قبل أن تمتد إليه جهود التطوير بعد 30 يونيو 2013 ضمن مشروعات الدولة لإعادة الوجه الحضاري للقاهرة التاريخية.

رحلة المياه والهندسة الإسلامية

يروي الدكتور أسامة طلعت، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية بوزارة السياحة والآثار، أن السور يبدأ من الفرع الصغير لنهر النيل أو فرع “سيالة الروضة”، حيث يستمد المياه من برج المأخذ، وتتم عملية رفع المياه وفق علم الهيدروليك، الذي يعتمد على الوزن والتوازن، لتجري المياه في قناة بها انكسارات وزوايا ميل من أعلى إلى أسفل، ثم تُرفع إلى القلعة، لتضمن وصول المياه إلى الآبار والمباني المختلفة، وهو نموذج متقدم من علوم الهندسة المائية في الحضارة الإسلامية.

رحلة جديدة مع التطوير

اليوم، يخوض السور رحلة جديدة مع التطوير، ضمن مشروع المنطقة التاريخية المحيطة به، وإقامة مشروع الإسكان المعروف بـ “90 فدان” في المنطقة التي كانت تضم المدابغ القديمة، وتعتبر القناة الحد الشمالي لهذا المشروع الإسكاني الضخم، مع خطط طموحة لترميم السور وحمايته من المخلفات، خاصة قرب مستشفى 57357، من خلال رفع مخلفات البناء وتنظيف المنطقة المحيطة.

خطة حماية السور

تشمل خطة حماية سور مجرى العيون ترميم الأجزاء المنهارة من دعاماته، ووضع أكشاك أمنية، وكاميرات مراقبة وكشافات، إلى جانب إغلاق عيون المجرى بسور مؤقت حتى انتهاء مشروع “90 فدان”، كما تهدف الخطة إلى إعادة توظيف السور كمزار سياحي يحافظ على أصالته ويتيح للزوار استكشاف هذا المعلم الفريد، الذي يعكس عراقة القاهرة الإسلامية ويجمع بين عبق التاريخ وإشراقة المستقبل الحضاري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى