محمد بن عبد الكريم الخطابي: قائد قبائل الريف وصوت الحرية في المغرب العربي
أسماء صبحي – يعد محمد بن عبد الكريم الخطابي من أبرز القادة الذين جمعوا بين الزعامة القبلية والكاريزما السياسية في المغرب العربي. فقاد قبائل الريف المغربي في مقاومة الاحتلال الإسباني والفرنسي خلال عشرينيات القرن الماضي. واستطاع أن يؤسس نموذجًا فريدًا في تنظيم المقاومة الشعبية حتى صار رمزًا عالميًا لحركات التحرر الوطني.
نشأة محمد عبد الكريم الخطابي
ولد الخطابي عام 1882 في بلدة أجدير بإقليم الحسيمة في منطقة الريف شمال المغرب. وينتمي إلى أسرة عريقة من قبيلة بني ورياغل إحدى كبريات قبائل الريف. وتلقى تعليمه الأولي في الكتاتيب ثم انتقل إلى الجامع الكبير في فاس حيث درس العلوم الشرعية واللغة العربية، ما أهله ليكون مرجعًا دينيًا وقبليًا في منطقته.
بعد دراسته في فاس وعمله لفترة قصيرة مع الإدارة الإسبانية عاد الخطابي إلى الريف ليأخذ مكانه كزعيم قبلي. وكان إدراكه لأوضاع القبائل ومعاناتها تحت الاستعمار الإسباني دافعًا أساسيًا لانطلاق مشروعه المقاوم. وبحكم مكانته الدينية والقبلية استطاع أن يوحّد صفوف قبائل الريف المختلفة التي كانت تتنازع فيما بينها.
حرب الريف وإعلان الجمهورية
في عام 1921، قاد الخطابي معركة أنوال الشهيرة، التي اعتبرت واحدة من أكبر الانتصارات على الاستعمار في القرن العشرين. واستطاع مقاتلوه من القبائل إلحاق هزيمة كبرى بالجيش الإسباني حيث قتل أكثر من 13 ألف جندي إسباني، بينهم كبار الضباط. وهذا الانتصار غير موازين القوى وأعطى الخطابي شرعية أكبر كقائد.
لاحقًا، أعلن قيام جمهورية الريف بين عامي 1923 و1926 لتكون أول تجربة جمهورية في العالم العربي الحديث. ولم تكن مجرد كيان قبلي، بل مشروع سياسي حديث قائم على دستور ومؤسسات، وإن كان محدودًا بالظروف.
المواجهة مع فرنسا وإسبانيا
لم يتوقف الاستعمار الإسباني عند هزيمة أنوال، بل تحالف مع فرنسا لضرب الخطابي وقبائل الريف. وشنت الجيوش الاستعمارية حملة مشتركة ضخمة استخدمت فيها الطائرات والأسلحة الكيماوية (الغازات السامة) ضد المدنيين في واحدة من أبشع الجرائم الاستعمارية. ورغم مقاومة القبائل الباسلة اضطر الخطابي إلى الاستسلام عام 1926 حقنًا للدماء.
المنفى والإرث السياسي
بعد استسلامه، نفي إلى جزيرة لاريونيون في المحيط الهندي لمدة 20 عامًا ثم انتقل إلى مصر عام 1947 حيث استقر حتى وفاته سنة 1963. ومن منفاه واصل التأثير في حركات التحرر الوطني العربية والإفريقية وأصبح قدوة للعديد من القادة مثل جمال عبد الناصر وهوشي منه.
ويقول المؤرخ المغربي عبد الله العروي، إن محمد بن عبد الكريم الخطابي لم يكن مجرد قائد قبلي بل كان رائدًا سابقًا لعصره. فقد تجاوز منطق القبيلة ليؤسس مشروع دولة حديثة في قلب الريف ويعد اليوم من أوائل من ربط بين الهوية الوطنية ومقاومة الاستعمار.



