فنون و ادب

الدبكة الفلسطينية.. رقصة الفرح التي لا تغيب عن الذاكرة

دعاء رحيل 

تعتبر الدبكة الفلسطينية من أبرز ملامح التراث الشعبي الأصيل في فلسطين، حيث تمتد جذورها إلى العصور الكنعانية وتواصل حضورها القوي حتى يومنا هذا، فقد ارتبطت هذه الرقصة بحياة الناس اليومية ومناسباتهم الاجتماعية، وتحولت مع مرور الزمن إلى تعبير حي عن الفرح والانتماء الوطني، فالدبكة ليست مجرد رقصة، بل طقس متكامل يستمد تفاصيله من الذاكرة الفلسطينية القديمة ويعبّر عن هوية الشعب وثقافته المتجذرة.

يرى المهتمون بالتراث أن الدبكة الفلسطينية لم تكن منذ البداية مجرد حركات راقصة، بل كانت طقوساً دينية وزراعية استخدمها الفلسطينيون في مواسم الزراعة والأعياد، ثم تطورت مع الزمن لتصبح جزءاً أساسياً من الاحتفالات، فلا يكاد يخلو عرس أو مهرجان من هذه الرقصة التي تجمع بين الجمال والقوة.

الطابع العام للدبكة الفلسطينية

تشترك الدبكة الفلسطينية مع رقصات بلاد الشام الأخرى من حيث الشكل الجماعي، حيث يصطف المشاركون عادة من الرجال في صف أو نصف دائرة، ويمسكون بأيدي بعضهم البعض، ويؤدون حركات متناغمة بالأرجل عبر المشي والقفز وضرب الأرض، إلى جانب حركات متناسقة بالأكتاف والجزء العلوي من الجسد، ويقود هذا الصف شخص في المقدمة يمسك بالكوفية الفلسطينية ويرفعها عالياً لضبط الإيقاع وتوحيد الأداء.

الإيقاع والأدوات المصاحبة

يرافق الدبكة الفلسطينية آلات موسيقية تقليدية مثل المزمار بأنواعه المختلفة كالشبابة والمجوز واليرغول، كما يستخدم الطبل لضبط الإيقاع، وتضيف هذه الأدوات أجواءً حماسية للدبكة وتمنحها طابعها المميز، وتختلف طريقة أداء الدبكة من منطقة لأخرى داخل فلسطين، ففي بعض المناطق تنقسم المجموعة إلى صفين يتقابلان ويتبادلان الحركات، وفي مناطق أخرى يكون الأداء فردياً يتبعه اصطفاف جماعي في نهاية الرقصة.

الجذور التاريخية للدبكة الفلسطينية

ترتبط أصول الدبكة بالحضارات القديمة التي عاشت في فلسطين، فقد كانت هذه الرقصة في بدايتها طقساً يؤديه المزارعون بعد حرث الأرض وزرعها، وكان الهدف منها استجلاب المطر ونمو المحاصيل، حيث يجتمع الفلاحون ويضربون الأرض بأقدامهم على أنغام الأهازيج الشعبية، ويعتقد البعض أن هذه الرقصة كانت جزءاً من طقوس عبادة أديتها شعوب وثنية سكنت فلسطين في عصور غابرة، وتحولت مع مرور الزمن إلى رقصة شعبية فرِحة.

أنواع الدبكة الفلسطينية

تنقسم الدبكة الفلسطينية إلى عدة أنواع، تختلف في الإيقاع والأسلوب، وتتنوع حسب المناسبة والمنطقة، ومن أبرز هذه الأنواع:

الكرادية أو الطيارة
وهي من أسرع أنواع الدبكة وأكثرها تطلباً للياقة والانسجام، حيث تحتاج إلى تنسيق عالٍ بين أعضاء المجموعة، وتُعرف بإيقاعها السريع وحركاتها المتلاحقة التي تتطلب قوة بدنية وتركيزاً شديداً.

الدلعونة
تعتبر من أكثر الإيقاعات شيوعاً في الدبكة، وهي متوسطة السرعة، وتُبنى الرقصة على كلمات متكررة تتماشى مع اللحن وتُستبدل بحسب المناسبة، وتتميز ببساطتها وسهولة حفظها وترديدها من قبل الجمهور.

زريف الطول
هي أغنية تحمل طابعاً شعبياً خاصاً وتستخدم كثيراً في الأعراس، لما تتضمنه من كلمات مدح وغزل، وترافقها رقصة دبكة مبهجة تضفي طابعاً احتفالياً على المناسبة.

الدحية
تنتمي إلى التراث البدوي في بلاد الشام، وتُعد جزءاً من الدبكة الفلسطينية رغم اختلافها في الأداء، حيث تركز على التصفيق الإيقاعي المعروف بالتسحيج، ويترافق ذلك مع إنشاد أغاني بدوية تمجّد الشجاعة والفروسية.

تبقى الدبكة الفلسطينية عنواناً بارزاً من عناوين الفولكلور الفلسطيني، فهي رقصة تعبّر عن الفرح والهوية، وتحمل في تفاصيلها تاريخاً من النضال والتشبث بالأرض، وتثبت يوماً بعد آخر أن التراث الشعبي قادر على مقاومة النسيان، وأنه حاضر في كل مناسبة ومهرجان، ليؤكد أن فلسطين حاضرة بأغنيتها وخطوتها ونبضها المتجذر في الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى