فنون و ادب

أنغام الصحراء التي تقاوم النسيان.. موسيقى الجنوب الجزائري بين الذاكرة والرهان الثقافي

تعد موسيقى الجنوب الجزائري ركنا أساسيا من أركان الهوية الثقافية الوطنية، فهي تعبير حي عن ذاكرة الصحراء وامتدادها التاريخي والإنساني، وصوت يعكس علاقة الإنسان بالمكان والزمن، غير أن هذا المخزون الرمزي العميق يواجه اليوم تحديات متشابكة، تتصدرها محدودية التوثيق والتدوين، وضعف آليات الحفظ والترويج، إضافة إلى تراجع انتقال هذا التراث بين الأجيال، وهي إشكالات تتجاوز المجال الفني لتلامس أبعادا ثقافية وتنموية أوسع.

قصة موسيقى الجنوب الجزائري

ويطرح غياب الدعم المؤسساتي المستدام وهيمنة الأنماط الموسيقية التجارية أسئلة حقيقية حول قدرة هذا الموروث على الصمود والتجدد، وإمكانية تحوله من ذاكرة محلية مهددة إلى قوة ناعمة فاعلة قادرة على فرض حضورها في المشهد الثقافي الوطني والدولي.

وفي محاولة لخلق فضاء للتبادل الثقافي والتعريف بالطبوع الموسيقية التي تزخر بها مناطق الجنوب، وتعزيز مكانتها محليا وعالميا، احتضنت مدينة تمنراست فعاليات النسخة الأولى من المهرجان الثقافي الدولي لموسيقى الجنوب، بمشاركة فنانين جزائريين وأجانب وحضور رسمي لافت، في أجواء احتفالية سعت إلى إبراز ثراء الموروث الموسيقي الصحراوي وتنوعه.

ولم يقتصر برنامج المهرجان على العروض الفنية فقط، بل شمل جانبا أكاديميا من خلال محاضرات ناقشت آفاق استثمار الموسيقى الجزائرية وتوظيفها في المسرح والسينما، بما يعزز حضورها في مختلف أشكال التعبير الفني، إلى جانب ورشات تكوينية أشرف عليها مختصون هدفت إلى تبادل الخبرات وصقل مهارات المشاركين.

طقس جماعي متجدد

لا يبدو المهرجان الموسيقي في الجنوب الجزائري مجرد تظاهرة فنية عابرة، بل يمثل طقسا مدنيا يستعيد فيه المكان علاقته القديمة بالاحتفال الجماعي، وتستعيد فيه الموسيقى دورها الأول كلغة مشتركة بين الإنسان وفضائه، إذ تتحول الساحات المفتوحة ليلا إلى مسارح غير معلنة، يلتقي فيها السكان والزوار من مختلف الأعمار في لحظة شعورية لا تقاس بالوقت بل بالإحساس.

وتؤدي هذه المهرجانات دورا مزدوجا، يتمثل في حفظ التراث من جهة، وإعادة تقديمه بلغة قادرة على التواصل مع العالم من جهة أخرى، فعندما ينتقل هذا الموروث من فضائه التقليدي إلى منصة منظمة ضمن برمجة واعية، يتحول من ممارسة محلية إلى خطاب ثقافي مفتوح.

ولا تفقد الموسيقى في هذا السياق روحها، بل تكتسب أفقا جديدا، إذ يخلق التلاقي بين الأنماط الجنوبية المختلفة والفنانين المحليين وضيوف من أفريقيا والعالم العربي حوارا صوتيا يعكس حقيقة الجنوب الجزائري بوصفه فضاء متعدد الهويات، أمازيغيا وتارقيا وحسانيا وأفريقي الجذور وعربي الامتداد.

وبهذا المعنى، يصبح المهرجان شكلا من أشكال الدبلوماسية الثقافية، يقدم الجنوب لا كهامش جغرافي، بل كمركز إنتاج رمزي قادر على مخاطبة الآخر بندية.

موسيقى تعاش ولا تؤدى فقط

في الواقع، لا تؤدى طبوع الجنوب الجزائري للعرض فقط، بل للمشاركة، فهي تنتقل كما تنتقل اللغة، وتتعلم بالممارسة أكثر مما تدون، والإيقاع فيها ليس عنصرا تقنيا فحسب، بل تعبير عن الزمن الصحراوي ذاته، زمن دائري بطيء يتقدم بالصبر لا بالعجلة.

ولا غرابة أن تحظى بعض هذه التعبيرات باعتراف دولي، حيث أدرجت ألوان غنائية وشعرية جماعية ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي، باعتبارها ممارسات حية تختزن علاقة خاصة بين الإنسان والمكان، وبين الصوت والذاكرة.

وتشكل موسيقى الجنوب الجزائري واحدة من أغنى التعابير الثقافية في البلاد، فهي ليست مجرد ألحان وإيقاعات، بل ذاكرة جماعية تحمل تاريخ الصحراء وأنماط العيش والروحانية والتنوع الإثني الذي ميز هذه الربوع عبر قرون طويلة.

نشأت هذه الموسيقى في بيئة صحراوية قاسية، حين كان الصوت وسيلة للتواصل والتعبير عن الفرح والحزن، وعن الترحال والاستقرار، وتأثرت بتفاعل عميق بين الأمازيغ والعرب والطوارق والسودانيين، إضافة إلى أثر القوافل التجارية العابرة للصحراء، التي ربطت الجزائر بعمقها الأفريقي، فنتج عن هذا التلاقح أنماط تجمع بين الإيقاع الأفريقي القوي والبعد الروحي والكلمة الشفوية ذات الحمولة الرمزية.

أنماط موسيقية متنوعة

لفهم رهانات هذه المهرجانات، لا بد من العودة إلى موسيقى الجنوب نفسها بوصفها نظاما جماليا واجتماعيا متكاملا، لا ينفصل فيه الصوت عن السياق، فقد ولدت هذه الموسيقى في فضاءات مفتوحة مثل الواحات والمخيمات والساحات، وارتبطت بمناسبات ذات حمولة رمزية كثيفة، من الأعراس إلى المواسم، ومن الطقوس الجماعية إلى لحظات المصالحة والتنافس الرمزي.

ويعد الديوان من أبرز وأقدم الأنماط الموسيقية في الجنوب، خاصة في بشار وأدرار، إذ تعود جذوره إلى أصول أفريقية صوفية، وترتبط طقوسه بالتطهير النفسي والبعد الروحي، ويعتمد على آلات مثل القراقب والقمبري، مع إيقاعات عميقة وكلمات تمزج الذكر بالحكمة الشعبية.

أما فن الأهليل، فينتشر في منطقة قورارة بولاية أدرار، وهو مصنف ضمن التراث الإنساني غير المادي، ويؤدى جماعيا في المناسبات الدينية والاجتماعية، ويجمع بين الغناء والإنشاد والحركة الدائرية، مع حضور قوي للشعر الملحون واللغة الأمازيغية الزناتية.

وتبرز موسيقى التيندي المرتبطة بثقافة الطوارق في تمنراست وجانت، وسميت نسبة إلى آلة التيندي، وهي طبل تقليدي يصنع من الجلد، وتؤدى غالبا من قبل النساء، وترافقها أشعار تعبر عن الفخر والبطولة والحياة الصحراوية، بإيقاعات رتيبة تحاكي وقع خطوات القوافل.

كما تنتشر موسيقى الحضرة والطرق الصوفية في الجنوب الغربي والواحات، وترتبط بالزوايا وتعتمد على الإنشاد الجماعي والمديح النبوي والذكر، وتؤدى في المواسم الدينية حيث تمتزج الموسيقى بالتصوف والبعد الإيماني.

ومع تطور وسائل الإعلام، ظهرت الأغنية الصحراوية الحديثة التي حافظت على الإيقاعات التقليدية، لكنها استعانت بآلات عصرية وتوزيع موسيقي جديد، ما أسهم في إيصال موسيقى الجنوب إلى جمهور أوسع دون فقدان ارتباطها بالهوية المحلية.

ذاكرة وهوية

تؤكد الباحثة صليحة سنوسي أن الموسيقى الصحراوية الجزائرية تعد من أهم الأشكال التعبيرية المرتبطة بالمجتمع الصحراوي منذ نشأته، إذ حضرت في مختلف مناسباته وأعياده ومواسمه، وأسهمت في إعادة إنتاج التراث الثقافي والاجتماعي في مواجهة التغيرات المحيطة.

وترى أن هذه الموسيقى تعكس تمثلات للسلوكيات والممارسات الاجتماعية، وتحمل طقوسا ورموزا مرتبطة بالمنظومة الاجتماعية وتاريخها، مشيرة إلى أن سكان الصحراء ما زالوا يمارسون هذه التعابير الفنية بصورة مستمرة، ويعتبرونها من خصوصياتهم الثقافية والتاريخية.

وتوضح أن تنوع الطبوع الموسيقية في الجنوب يعكس التمازج الثقافي العربي الأمازيغي الأفريقي، ويبرز ما عرفه المجتمع الصحراوي من احتكاك ثقافي عبر التاريخ، ما أكسب هذه الموسيقى تنوعا في الأداء الفني واللغوي.

وتضيف أن موسيقى الصحراء نموذج للتواصل الثقافي، فهي لغة إنسانية ذات وظائف اجتماعية ونفسية قوية، تعتمد على تجانس النغمات ووحدة الألحان، وتحمل قيما مثل الإخاء والسلام وقبول الآخر.

فضاءات حية للاحتفاء

تحتفي تظاهرات موسيقية عدة بتراث الجنوب الجزائري، وتشكل فضاءات حية للتعريف بالموروث الفني الصحراوي، من بينها المهرجان الثقافي الوطني لفن الأهليل في تيميمون، الذي يقام سنويا نهاية ديسمبر في أجواء روحانية خاصة.

وفي جانت، يبرز مهرجان السبيبة، وهو طقس تاريخي يجمع بين الرقص الحربي والإيقاعات التارقية، ويرتبط موعده بعاشوراء.

كما يعد المهرجان الدولي لموسيقى ورقص الديوان من التظاهرات البارزة، حيث يقام في بشار وتاغيت، ويجمع فرق القناوة والديوان من الجزائر ودول أفريقية عدة خلال أكتوبر.

وتنظم ولايتا إيليزي وجانت مهرجان الموسيقى والأغنية التارقية، الذي يهدف إلى الحفاظ على لغة التاماشق في الغناء، ويتزامن غالبا مع انطلاق الموسم السياحي الصحراوي.

وتحتضن عين الصفراء المهرجان الوطني لموسيقى الديوان، الذي يسبق المهرجان الدولي، ويقام بين نهاية ديسمبر وبداية يناير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى