حوارات و تقارير

حجر رشيد.. مفتاح فك رموز الحضارة المصرية القديمة.. حوار مع دكتور/ محمود حامد الحصري مدرس الآثار واللغة المصرية القديمة بجامعة الوادي الجديد

دعاء رحيل 

في تاريخ الحضارات، نادراً ما يُكشف سر حضارة كاملة من خلال قطعة واحدة من الحجر. لكن حجر رشيد كان الاستثناء الأعظم قطعة من الجرانوديوريت غيرت مجرى فهم البشرية للحضارة المصرية القديمة، وأصبحت الأساس لعلم المصريات، في هذا الحوار العلمي، يكشف الدكتور محمود حامد الحصري أسرار هذا الحجر الخالد، ودوره المفصلي في فك رموز لغة ظلت مجهولة لقرون طويلة.

أولاً: ما هو حجر رشيد ومتى وأين تم العثور عليه؟

س: ما هو حجر رشيد ومتى وأين تم العثور عليه؟

أوضح الدكتور/ محمود حامد الحصري مدرس الآثار واللغة المصرية القديمة – جامعة الوادي الجديد، ان حجر رشيد هو لوح من الجرانوديوريت الأسود (صخر بركاني يشبه الجرانيت) نُقشت عليه ثلاثة نصوص متطابقة بثلاث كتابات مختلفة. يُعد هذا الحجر من أهم الاكتشافات الأثرية في التاريخ، حيث كان المفتاح لفك رموز اللغة المصرية القديمة.

أطلق اسم رشيد على هذه القطعة نسبةً لمدينة رشيد، رشيد وهي مدينة ساحلية على دلتا النيل تابعة لمحافظة البحيرة. تقع شرق الإسكندرية بمسافة ٦٥ كم. رشيد هي ثاني أكثر مدينة تضم اثاراً إسلامية في مصر بعد محافظة القاهرة. هي مدينة فريدة من نوعها لتناسقها المعماري والحضري منذ فترة حكم العثمانيين، ولذلك تعد قلعة جوليان من أهم المواقع الإسلامية في رشيد التي لها دور في تاريخ مصر القديمة، وتسمى أيضاً حصن جوليان أو طابية رشيد او قلعة قايتباي، سميت طابية رشيد ب قلعة سانت جوليان لإحياء ذكرى توماس بروسبير جوليان مساعد نابليون بونابرت. في يوم ٢ أغسطس ١٧٩٨ قُتل جوليان وهو في طريقه لمدينة رشيد، القلعة تقع على بعد ميلين من شمال شرق مدينة رشيد. يرجع تاريخ الحصن إلى العصر المملوكي وبالتحديد السلطان المملوكي قايتباي وفي هذا الموقع تم العثور على حجر رشيد مُستعمل كعنصر بناء هذا الحصن.

ثانياً: كيف تم اكتشاف الحجر؟

س: متى وأين تم العثور عليه؟

قال د. الحصري، في صيف عام ۱۷۹۹ م، أثناء أعمال حفر أساس لدعم حصن قديم بالقرب من مدينة تسمى رشيد. قاد الحفر المهندس الفرنسي بيير فرانسوا كزافييه بوشار (۱۷۷۲-۱۸۳۲)، وأثناء هذه الأعمال تم ملاحظة أن هناك حجر مختلف عن باقي الحجارة المُستخدم في الحصن، بعد رفع هذا الحجر عن الأرض الذي استُخدم كعنصر بناء. أدرك بوشار منذ اللحظة الأولى أن هذه اللوح لها قيمة مهمة لنقشها المختلف. ذهب الحجر فورًا إلى القاهرة إلى معهد مصر الذي بناه نابليون للعلماء الفرنسيين للعمل على اكتشافات بعثتهم.

وفي عام ١٨٠١ القوات البريطانية استطاعت إحاطة القوات الفرنسية والتغلب عليهم، وهزيمتهم في معركة أبو قير الشهيرة والتي أعقبها عقد معاهدة بين الجيش المشترك (البريطاني والعثماني) والفرنسيين، تنص المادة ١٦ على وجوب تسليم الطرف الفرنسي كل الأنتيكات التي اكتشفوها إلى الجيش المشترك، وعلى هذا الأساس تم تسليم حجر رشيد ومعه ١٦ قطعة أخرى من مدن مصرية مختلفة. ولكن وافق الطرف البريطاني على احتفاظ العلماء الفرنسيين بأوراق نتائج بحثهم وبعض الآثار الصغيرة.

ثالثاً: ما هي النصوص التي نُقشت على حجر رشيد؟

س: ما هي الكتابات الثلاث التي نُقشت على حجر رشيد، وما دلالة استخدام كل منها؟

أفاد د. الحصري: نُقشت على حجر رشيد ثلاث نصوص، كل منها بخط مختلف:

  1. اللغة المصرية القديمة (الخط الهيروغليفي 14 سطر): هذا هو النص العلوي من الحجر، وقد كُتب بالخط الهيروغليفي المقدس الذي كان يُستخدم للنصوص الدينية والرسمية والنقوش على المعابد والمقابر، دلالة استخدامه تشير إلى أن المرسوم كان موجهاً للكهنة والآلهة، ويعكس الطابع الرسمي والديني للمناسبة.
  2. اللغة المصرية القديمة (الخط الديموطيقي 32 سطر): هذا هو النص الأوسط من الحجر، وقد كُتب بالخط الديموطيقي، وهو خط شعبي مبسط مشتق من الهيراطيقية (خط كهنوتي) وكان يستخدم في الحياة اليومية، المعاملات التجارية، الرسائل، وبعض الوثائق القانونية، دلالة استخدامه تشير إلى أن المرسوم كان موجهاً لعامة الشعب المصري من المتعلمين.
  3. اللغة اليونانية القديمة 54 سطر: هذا هو النص السفلي من الحجر، وقد كُتب بالأبجدية اليونانية القديمة التي كانت لغة الإدارة والحكم في مصر خلال العصر البطلمي (حكم خلفاء الإسكندر الأكبر). دلالة استخدامه تشير إلى أن المرسوم كان موجهاً للحكام الإغريق والسلطات الإدارية، وكذلك للجالية اليونانية الكبيرة في مصر آنذاك.

رابعاً: كيف ساعد هذا الحجر في فك رموز اللغة المصرية؟

س: كيف ساعد حجر رشيد العلماء في فك رموز اللغة المصرية القديمة؟

أوضح د. الحصري، أن حجر رشيد كان بمثابة مفتاح سحري لفك رموز اللغة المصرية القديمة بعد قرون من عدم القدرة على فهمها. كانت الدلالة الكبرى للحجر تكمن في أن النصوص الثلاثة كانت متطابقة في المعنى (مرسوم واحد أصدره الكهنة تكريماً للملك بطليموس الخامس في عام 196 قبل الميلاد)، وقد سمح هذا التطابق للعلماء، وخاصة جان فرانسوا شامبليون، بما يلي:

الربط بين اللغات القديمة: بما أن النص اليوناني كان مفهوماً للعلماء، فقد استطاعوا استخدامه كنقطة مرجعية لفهم النصين المصريين القديمين (الهيروغليفي والديموطيقي).

تحديد أسماء الأعلام: لاحظ العلماء أن بعض الأسماء مثل “بطليموس” كانت مكتوبة داخل أشكال بيضاوية تسمى خراطيش في النص الهيروغليفي، وبمقارنة هذه الأسماء مع نظيراتها في النص اليوناني، تمكنوا من تحديد الأصوات المقابلة للحروف الهيروغليفية.

فهم الطبيعة الصوتية للهيروغليفية: قبل حجر رشيد، كان يُعتقد أن الهيروغليفية هي لغة رمزية بحتة (كل رمز يمثل فكرة كاملة)، لكن الحجر أثبت أنها لغة تجمع بين الرموز الصوتية (التي تمثل أصواتاً) والرموز التصويرية (التي تمثل مفاهيم أو أشياء)، وهذا الاكتشاف غير المفهوم بالكامل عن اللغة الهيروغليفية.

بناء قاموس تدريجي: من خلال تحديد أسماء الملوك والأماكن والأفعال المتكررة، بدأ العلماء تدريجياً في بناء فهم أعمق للقواعد النحوية والمفردات في اللغة المصرية القديمة.

خامساً: ما دور شامبليون في هذا الإنجاز العلمي؟

س: ما الدور الذي لعبه شامبليون في تفسير النقوش على الحجر؟

قال د. الحصري: أن العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون (Jean-François Champollion) لعب الدور المحوري والأكثر أهمية في فك رموز حجر رشيد واللغة المصرية القديمة بشكل عام، حيث كان شامبليون لغوياً موهوباً ومتحمساً، وقد درس اللغات القديمة بما في ذلك القبطية (اللغة المصرية الحديثة التي تطورت من الديموطيقية).

وأفاد د. الحصري أن لشامبليون إسهامات رئيسية، حيث فهم العلاقة بين الهيروغليفية والقبطية، وأدرك شامبليون أن اللغة القبطية، التي كانت لا تزال تُستخدم كلغة طقسية في مصر، تحتفظ بالعديد من المفردات والهياكل النحوية للغة المصرية القديمة، هذا الفهم العميق للقبطية منحه ميزة فريدة في فهم النصوص المصرية القديمة.

كما كسر الشفرة الصوتية: في عام 1822، أعلن شامبليون عن اكتشافه العظيم. لقد ركز على الخراطيش (الأشكال البيضاوية التي تحيط بأسماء الملوك) في النص الهيروغليفي، وبمقارنة اسم الملك “بطليموس” مع النص اليوناني، أدرك أن الهيروغليفية كانت تتضمن عناصر صوتية (حروف تمثل أصواتاً) بالإضافة إلى العناصر التصويرية.

و قام شامبليون بتطوير نظام متكامل لفك رموز الهيروغليفية، حيث أظهر أن بعض الرموز الهيروغليفية كانت تمثل حرفاً واحداً، وبعضها كان يمثل مجموعة من الحروف (مقطعية)، وبعضها كان يمثل فكرة كاملة، هذا الفهم المزدوج للغة كان هو المفتاح لفتح أبواب الحضارة المصرية القديمة.

و قدم شامبليون أبحاثه ونتائجه إلى الأكاديمية الفرنسية في عام 1822، وهو ما أحدث ثورة في علم المصريات وفتح الباب أمام دراسة وفهم شاملين للحضارة المصرية القديمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى