حوارات و تقارير

اللواء عمر سليمان.. رحلة رجل الظل من ساحات القتال إلى دهاليز المخابرات والسلطة

أسماء صبحي – ولد اللواء عمر سليمان في محافظة قنا بصعيد مصر في الثاني من يوليو عام 1936، وسط أسرة ميسورة الحال. ومنذ صغره أظهر نبوغًا دراسيًا أهله للالتحاق بالكلية الحربية عام 1954 حيث بدأت رحلته الطويلة داخل المؤسسة العسكرية المصرية. وتميز خلال فترة دراسته بانضباطه وذكائه ليكون ضمن العناصر التي وقع عليها الاختيار للابتعاث إلى الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت. حيث تلقى تدريبه المتقدم في أكاديمية فرونزي العسكرية، وهي واحدة من أعرق المؤسسات العسكرية السوفيتية آنذاك.

خاض سليمان أولى تجاربه القتالية في حرب اليمن مطلع الستينيات، ثم شارك في حرب يونيو 1967. ومع اندلاع حرب أكتوبر 1973 تولى قيادة الكتيبة 531 مشاة، وشارك في عمليات الاقتحام شرق القناة. وفي إحدى المعارك، تعرض مركز قيادته لقصف مباشر أصابه في ساقه..لكنه رفض مغادرة ميدان القتال وأصر على الاستمرار في قيادة قواته وهو ما منحه نوط الشجاعة العسكري.

الصعود داخل المؤسسة العسكرية

بعد نصر أكتوبر، توالت الترقيات على عمر سليمان، فتم تعيينه رئيسًا لأركان اللواء 116 ميكانيكي ثم قائدا له. قبل أن يتولى قيادة الفرقة 18 مشاة الميكانيكية. وفي عام 1984، أصبح رئيس فرع التخطيط بهيئة العمليات. حيث ساهم في تطوير الخطط الاستراتيجية للقوات المسلحة.

بجانب مهامه العسكرية، حرص سليمان على استكمال تعليمه المدني، فحصل على ليسانس العلوم السياسية من جامعة عين شمس. ثم ماجستير في ذات التخصص من جامعة القاهرة، كما حصل على ماجستير في العلوم العسكرية. وهذا المزج بين الجانب العسكري والأكاديمي منح سليمان قدرة نادرة على الجمع بين الفكر الاستراتيجي والمهارات القتالية.

تحول اللواء عمر سليمان إلى العمل الاستخباراتي

في عام 1986، تم تعيينه نائبًا لمدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع ليبدأ مرحلة جديدة من العمل الأمني المعقد. وبعد ثلاث سنوات فقط، تولى رئاسة الإدارة ونجح في تطوير أدائها بشكل لافت.

مع تقاعده من الجيش عام 1991، أصدر الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك قرارًا بتعيينه رئيسًا لجهاز المخابرات العامة المصرية. وهذا المنصب، الذي شغله لأكثر من عشرين عامًا وضعه في قلب أكثر الملفات حساسية. وجعله أحد أبرز رجال الدولة المصرية في الظل.

ملفات إقليمية ودولية حساسة

خلال قيادته للمخابرات العامة، تولى عمر سليمان إدارة عدد من الملفات الشائكة. منها الملف الفلسطيني، حيث لعب دور الوسيط بين فتح وحماس. وكان له دور رئيسي في رعاية اتفاقيات التهدئة مع إسرائيل. كما كان وسيطًا في صفقة تبادل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. بالإضافة إلى توليه التنسيق مع عدد من الأجهزة الأمنية في العالم في إطار مكافحة الإرهاب.

كما تولى سليمان ملفات مهمة في علاقات مصر مع السودان. وشارك في وساطات مع الولايات المتحدة وأوروبا. وكان من أبرز منسقي العمليات الأمنية السرية، بما في ذلك التنسيق مع أجهزة الاستخبارات الأجنبية في بعض البرامج المتعلقة بنقل المعتقلين وملاحقة العناصر الإرهابية دوليًا.

إنقاذ مبارك ومحاولة الاغتيال

في عام 1995، تعرض الرئيس مبارك لمحاولة اغتيال أثناء زيارته لأديس أبابا عاصمة إثيوبيا. حيث نجا من الموت بسبب إصرار عمر سليمان على أن يستخدم الرئيس سيارة مصفحة. هذه الحادثة عززت من مكانة سليمان داخل النظام، وأظهرت مدى حرصه على حماية الدولة ورموزها. خاصة أنه كان من أبرز من تنبّهوا مبكرًا لتصاعد تهديدات الجماعات المسلحة.

اللواء عمر سليمان نائب الرئيس

مع تصاعد ثورة 25 يناير 2011، لجأ مبارك إلى تعيين عمر سليمان نائبًا لرئيس الجمهورية في 29 يناير. في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي وفتح قناة تواصل مباشرة مع المعارضة. لكن هذا التعيين جاء متأخرًا، فبعد 11 يومًا، أعلن سليمان بنفسه عبر شاشة التلفزيون الرسمي بيان تنحي الرئيس مبارك عن السلطة.

ورغم رحيله عن المنصب، ظل سليمان يحظى بثقة بعض الدوائر، فقرر خوض انتخابات الرئاسة في 2012. وقد أثار هذا القرار جدلاً واسعًا، إذ رأى فيه البعض محاولة لعودة رموز النظام السابق. بينما اعتبره آخرون الرجل القوي القادر على فرض الاستقرار. لكن اللجنة العليا للانتخابات استبعدته لأسباب تتعلق بعدم اكتمال عدد التوكيلات في بعض المحافظات.

الأوسمة والتكريمات

كرمته الدولة المصرية بعدد كبير من الأوسمة والنياشين، تقديرًا لدوره في حماية الأمن القومي. منها وسام الجمهورية، نوط تحرير سيناء، ميدالية حرب أكتوبر، ميدالية يوم الجيش، ونوط الشجاعة العسكري. إلى جانب أكثر من عشرين وسامًا وميدالية محلية ودولية أخرى تمثل خلاصة مسيرة ممتدة لأكثر من خمسة عقود.

وفاة اللواء عمر سليمان

في التاسع عشر من يوليو عام 2012، توفي اللواء عمر سليمان في أحد المستشفيات الأمريكية خلال رحلة علاجية. ونقل جثمانه إلى القاهرة، وأقيمت له جنازة عسكرية شارك فيها كبار القادة والمسؤولين. بينما ظل اسمه محفورًا في ذاكرة المؤسسة العسكرية والمخابراتية كواحد من أبرز رجال الدولة وأكثرهم نفوذًا.

لم يكن عمر سليمان رجلًا عاديًا في التاريخ المصري المعاصر. بل كان أحد الأعمدة التي استندت عليها الدولة في أصعب لحظاتها. فجمع بين الانضباط العسكري، والحكمة السياسية، والخبرة الأمنية، وظل لعقود طويلة أحد رجال الظل الذين شكلوا القرار في مصر والمنطقة.

رحل عن عالمنا، لكن أثره بقي في ملفات لا تزال حاضرة حتى اليوم. ورغم غموض شخصيته وبعده عن الإعلام، فإن حضوره في مفاصل الدولة كان دائمًا حاسمًا. لقد كان رجل اللحظات الحرجة، ورجل الدولة الذي عايش التحولات الكبرى في تاريخ مصر الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى