قبائل و عائلات

حاتم الطائي.. شاعر قبيلة طيّئ وأحد أجود الجاهلية وكرمائها

أسماء صبحي

الشّاعر حاتم الطائي أحد أجواد الجاهلية وكرمائها، له أخبارٌ غريبة تحكي كرمه. وقد كان يرمي من وراء ذلك الكرم أن يذكره الناس. وبالفعل قد حصل على ما يريد وأصبح ذكر الكرم مقرونًا بذكر اسم حاتم الطّائي في كلّ عصرٍ ومصر. وقد ورد ذكره في عصر النبي محمد -صلّى الله عليه وسلّم-، فقد أدرك ابنه الإسلام وأسلم ووفد على النبي -عليه الصلاة والسلام-. وفي أحد المجالس التي جمعت ابنه بالنبي -عليه الصلاة والسلام-. قال ابنه: “يا رسولَ اللهِ إنَّ أبي كان يصِل الرَّحِمَ وكان يفعَل ويفعَل قال: إنَّ أباك أراد أمرًا فأدرَكه”. وقد أراد بذلك أنّ حاتمًا الطّائي أراد من فعل الخير الشهرة والذّكر وقد بلغ ما أراده. فلم يرد من ذلك أجرًا أو ثوابًا.

نسبه ونشأته

هو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن الأخزم بن امرئ القيس بن ربيعة بن جرول بن ثعل. وثعل أحد أكبر قبائل طيّئ، فحاتم الطائي إذًا ينحدر من قبيلة طيّئ وإليها يعود نسبه. ووالدته عنبة بنت عفيف أيضًا تنتمي إلى طيّئ، وقد تزوج بماويّة بنت عفزر. وكانت تلومه دائمًا على شدّة إسرافه للمال، وقد وصل هذا الأمر بهما للطلاق. فلم يكن يفكّر بأبنائه وبتدبير أمورهم، بل كان يبذل كلّ ما يملك للناس، ولذا انفصلتْ عنه زوجته.

يذكر أنّ والده كان قد ترك أمر الإبل إليه مرة فلمّا أعطاها لعابري السبيل منعه عن رعايتها. أمّا والدته فقد عرفتْ بالكرم الشّديد، فلم تكن تبقي شيئًا من مالها. ولمّا رأى إخوتها ما كان منها من بذلٍ للمال، ما كان منهم إلّا أن حجروها ومنعوا عنها المال مدةً طويلة. حتّى ظنّوا أنّها قد تغيّرتْ، فدفعوا إليها بواحدٍ من إبلها. فأتتها امرأة من هوزان تأتي كلّ سنةٍ وتسألها، فدفعت إليها بالإبل التي دفعها إليها إخوتها. وقالتْ لها إنّ بعد ما عانته من جوعٍ لن تمسكَ عنها تلك الإبل. وهكذا فقد كان كرم حاتم الطائي قد أخذه عن والدته.

شخصية حاتم الطائي

إنّ حاتمًا الطّائي كان يتصف بصفات الرجل العربي الأصيل. إذ قد كان جاهليًّا عربيًّا أصيلًا يتمتّع بكل صفات الفارس العربي. ممّا يجعله يمتاز عن أقرانه حتّى يغدو قدوةً يحتذى بها على جميع الأصعدة. فقد كان حاتم قويًّا شجاعًا مقدامًا، فإذا دخل عراكًا كان غالبًا لا مغلوبًا. فلم يكنْ يخشى الوغى وخطر الحروب أو الاقتتال. وقد كان كريمًا، وهذه الصّفة هي الصفة الأشد لصوقًا به منذ الأزل. إذ لا يذكر حاتم الطّائي إلّا وقدْ قرن بالكرم والعطاء والسخاء. ولم يقصده أحد قد احتاج أمرًا إلّا وخرج من بين يديه وقد نفّذ له الأمر وأجاب له طلبه وفكّ كربته.

إذا تسابقَ مع أحد كان الفوز حليفه دائمًا، ولم يكن يبقي أحدًا مأسورًا لديه. فقد كان يطلق كل الأسرى في نهاية الأمر، ومن مبادئه في الحياة أنّه لا يقتل وحيدًا لأمّه. وعندما كان يهل شهر رجب -أو ما كان يعرف بالشّهر الأصم وقد كان شهرًا ذا مكانةٍ في الجاهليّة-. فإنّ حاتمًا كان يذبح في كلّ يومٍ عشرًا من الإبل ويطعم الناس منها. ولم يكن حاتم يخاتل جارةً لريبة، ولم يخن الأمانة أبدًا، فلم توكّل له الأمانة إلّا وأدّاها، ولم يبادر بالإساءة إلى أحد.

حاتم الطائي شاعرًا

لقد ولد حاتم الطّائي في مجتمعٍ جاهلي، فاصطبغ بصبغةٍ عربيّةٍ أصيلة، وتمتّع بصفات الفارس العربي. وكل ذلك كان قد انعكس في أشعاره، كما حظي حاتم بحظٍّ وفيرٍ من التّعليم والتّثقيف ما جعله منطلق اللسان حيّ الذهن. ومن أكثر الأغراض الشّعرية التي كان قد تناولها هي الفخر الذّاتي، ولا سيّما فخره بكرمه. إذ كان الكرم صفته المميزة ونقطة تفضيله على غيره ممّن عاصره. كما كتب أبياتًا في العفّة، وكتب أخرياتٍ في الحماسة، ونشر شيئًا من الحكمة في قصائده وأبياته الشّعريّة.

تنوّعت أغراضه الشّعرية وكان أكثرها تكراراً الفخر والحماسة والحكمة. وممّا قاله ابن قتيبة في شعره أنه كان جيدًا، وقد ذكر لويس شيخو أنّ حاتمًا كان شعره كريمٌ مثل كرمه. أمّا أحمد الزيّات فوجد أنّ شعره كان انعكاسًا لقلبه ولما يزخر داخله من خير. فلم تكن معانيه إلّا انعكاسًا لأفعاله في الحياة. أمّا ألفاظ شعره فقد كانت سهلة وكانت جمله حسنة السّبك.

بصورة عامة فقد كان شعر حاتم الطّائي يدور حول أغراضٍ سامية من مكارم الأخلاق. يتمتّع بسهولة اللفظ وخفّته وفصاحته مع وضوحٍ في المعنى وحسنٍ في السّبك. وقد كان تعبيرًا حقيقيًّا لما جاء في حياته، كما عكست أشعاره الواقع المعيشي والظروف التي كابدها الجاهليون في ذلك العصر من فقرٍ ومعاناةٍ وحروب. وإلى ما ذلك من ظروفٍ كانت قد أثّرتْ بهم.

وفاته

توفي حاتم الطّائي في عام 46 هجري ودفن في “عوارض” وهو جبل يقع في طيّئ. وممّا ذكر عنه بعد وفاته ما ذكره ابن كثير أنّ بضعَ رجالٍ من عبد قيس كانوا قد مرّوا بقبر حاتم الطّائي. فحطّوا رحالهم في مكانٍ قريبٍ من ذلك القبر، فاتّجه أحدهم إلى قبره. وكان يسمّى أبا الخيبري، وأصبح يركل قبر حاتم ويدعوه ليقوم بواجب الضّيافة. فأنّبه أصدقاؤه ونهوه عن ذلك، فلمّا جاء اللّيل وحلّ الظّلام خلدوا إلى النوم. وإذا به قد أفاق مذعورًا وأيقظ أصحابه وقال لهم بأنّه كان قد رأى حاتمًا الطّائي في نومه وقد أنشده أبياتًا قد حفظها.

فإذا بناقة أبي الخيبري قد وهنتْ وضعفتْ، فذبحوها وأكلوها، وقالوا لقد أضافنا وأحسن ضيافتنا حاتم الطّائي. وفي اليوم التّالي وعند حلول الصّباح همّوا بالرحيل، فإذا بعدي ابن حاتم الطّائي يلوح لهم. وقد كان يركب ناقةً ويقود أخرى، فلمّا بلغهم سألهم من منهم أبو الخيبري. فأجاب أبو الخيبري، فقال له عدي: لقد جاءني أبي في المنام وقال لي إنّه قد أقرى أصحابك من ناقتك. وأمرني أن آتيك بناقةٍ أخرى، وهذه الناقة لك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى