المهندس سيد مرعي: رائد الإصلاح الزراعي وصوت الفلاحين في مصر

أسماء صبحي
يعد المهندس سيد مرعي من أبرز الشخصيات التي تركت بصمة لا تنسى في تاريخ محافظة الشرقية، بل ومصر بأكملها. ولد في قرية العزيزية بمركز منيا القمح عام 1913، واستطاع من خلال جهوده المتواصلة أن يكون رمزًا للإصلاح الزراعي. ومدافعًا شرسًا عن حقوق الفلاحين، وشخصية سياسية مرموقة ساهمت في رسم ملامح الاقتصاد الزراعي المصري لعقود. كما كانت مسيرته الحافلة مزيجًا من العمل السياسي، الإصلاح الاجتماعي، والالتزام بقضايا مجتمعه المحلي.
النشأة والتعليم
نشأ مرعي في أسرة ذات مكانة اجتماعية مرموقة، حيث انتقل مع أسرته إلى القاهرة وهو في السابعة من عمره. ورغم الظروف المريحة التي نشأ فيها، إلا أن اختياره لدراسة الزراعة يعكس وعيه المبكر بأهمية هذا القطاع الحيوي. كما حصل على بكالوريوس الزراعة، وعاد إلى قريته ليطبق ما تعلمه عمليًا مديرًا أراضي عائلته. ما جعله يكتسب خبرة ميدانية حقيقية عن واقع الفلاحين المصريين.
وبدأت رحلته السياسية عام 1942 بانتخابه عضوًا في البرلمان، حيث استغل منصبه للدفاع عن حقوق الفلاحين، والمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية. ومع قيام ثورة 1952، برز دوره بشكل أوضح إذ كلف بعضوية اللجنة العليا للإصلاح الزراعي. ليصبح جزءًا من مشروع قومي هدفه تحقيق العدالة الاجتماعية عبر إعادة توزيع الأراضي الزراعية.
بفضل كفاءته وإخلاصه لقضية الفلاحين، تقلد مرعي عدة مناصب قيادية بارزة:
- أول وزير للإصلاح الزراعي (1964): ساهم في تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي الذي قضى على الإقطاع ومنح الفلاحين أراضي لزراعتها.
- رئيس بنك التسليف الزراعي: حيث قدم قروضًا ميسرة لصغار المزارعين لدعمهم في تطوير الإنتاج الزراعي.
- نائب رئيس الوزراء للزراعة والري: عمل على تطوير البنية التحتية الزراعية وتحديث أنظمة الري والصرف.
- رئيس مجلس الشعب (1974-1977): لعب دورًا محوريًا في إصدار قوانين تدعم التنمية الزراعية وتعزز من مكانة الفلاحين في المجتمع.
دور المهندس سيد مرعي في حرب أكتوبر
بعيدًا عن السياسة الداخلية، كان لمرعي دور مؤثر في الدعم اللوجستي والسياسي خلال حرب أكتوبر 1973. إذ ساهم في تعزيز العلاقات مع الدول العربية ما ساعد في اتخاذ قرار حظر تصدير البترول إلى الدول الداعمة لإسرائيل. وهو ما مثل ضغطًا كبيرًا على القوى الغربية خلال الحرب.
ورغم تقلده مناصب رفيعة في القاهرة، لم ينسى مرعي جذوره في الشرقية. حيث كان يزور قريته باستمرار، ويحرص على المشاركة في المناسبات الاجتماعية لسكان المنطقة. كما تبرع بجزء كبير من ثروته لتطوير قريته العزيزية حيث ساهم في بناء مدارس، ومراكز صحية، بل وتبرع بمنزله القديم ليصبح مركزًا للشرطة يخدم أهالي القرية.
ويقول الدكتور محمود عبد العظيم، الباحث في التاريخ الاجتماعي، إن سيد مرعي لم يكن مجرد سياسي، بل كان صوت الفلاح المصري في دوائر السلطة. كما أن أفكاره الإصلاحية ساعدت في تحسين حياة ملايين المصريين، وخلقت نموذجًا يحتذى به في كيفية المزج بين السياسة وخدمة الناس.
وتوفي مرعي عام 1993، لكن أثره ما زال حيًا في الشرقية وفي كل ربوع مصر. فقد ترك خلفه إرثًا من التشريعات والقوانين التي لا تزال تشكل أساس النظام الزراعي الحديث. كما أن قصته ألهمت العديد من الشباب للعمل في السياسة والتنمية المحلية باعتباره نموذجًا للرجل الذي عاش حياته من أجل وطنه.