ابن الفارض.. الشاعر الصوفي الذي أضاء سماء التصوف بعذوبة روحه

ينتمي ابن الفارض إلى بني سعد، وتعود أصول والده إلى مدينة حماة السورية، حيث هاجر إلى مصر واستقر فيها. عمل والده في توثيق الحقوق الشرعية بين الرجال والنساء أمام القضاء، ما أكسبه لقب “الفارض”. في القاهرة ولد ابن الفارض، واسمه عمر بن علي، وتربى في ظل أبيه الذي أثر بشكل كبير على ثقافته وشخصيته الروحية.
من هو ابن الفارض
نشأ ابن الفارض في بيئة تسودها العفة والورع، كما وصفه ابن العماد الحنبلي، الذي أشار إلى أن نشأته كانت تحت رعاية أبيه الذي زرع فيه قيم الزهد والتقوى. كما درس الفقه على المذهب الشافعي وتعلم الحديث على يد العلماء مثل ابن عساكر، مما شكل قاعدة علمية متينة له.
برزت نزعته نحو التصوف والتجرد الروحي. كان يلجأ إلى العزلة للتأمل والعبادة، خاصة في جبل المقطم الذي كان يعرف بوادي المستضعفين، وهو مكان مخصص للتجرد والتعبد. لكنه ترك هذه العزلة بعد وفاة والده وعاد للانخراط في الحياة. وبعد فترة، نصح بالتوجه إلى مكة، فقصدها وأقام بها نحو 15 عامًا مجاورًا. هناك، في أجواء المناسك المقدسة، ازدهرت شاعريته وتجلت مواهبه الروحية، مما جعله أحد أبرز أعلام الشعر الصوفي.
عاد ابن الفارض إلى مصر في فترة حكم الأيوبيين، الذين أولوا اهتمامًا كبيرًا بالتعليم والدين، وافتتحوا المدارس التي ساهمت في إحياء الروح الدينية. كانت تلك الحقبة مزدهرة بالانتصارات الإسلامية على الصليبيين، مما زاد من عمق التأثير الديني والثقافي الذي عاش فيه.
وفي هذا الصدد قال الدكتور أحمد عبدالحي أستاذ الأدب العربي بجامعة المنوفية، أن ابن الفارض يتميز بكونه شخصية ورعة ذات حضور روحي قوي. كان شديد الحساسية للجمال، سواء في البشر أو الطبيعة أو حتى الجمادات. وقد بلغ تأثره بالجمال الموسيقي حد الانفعال العصبي، حيث كان الطرب يأخذه إلى حالة من التواجد الصوفي. ومن الحكايات الشهيرة عنه، أنه أثناء مروره في أحد أسواق القاهرة. سمع جماعة يغنون أثناء ضربهم على الناقوس، فدخل في حالة وجد شديدة جعلته يصرخ ويرقص وسط السوق. كما انضم إليه المارة في حالة جماعية من التواجد حتى سقطوا على الأرض. وبعد هذه الحالة، حمل ابن الفارض إلى الجامع الأزهر وهو في حالة تشبه الغياب عن الوعي.