تاريخ ومزارات

صلاح الدين الأيوبي.. من قائد عسكري إلى حاكم مصر ومؤسس الدولة الأيوبية

بدأ صلاح الدين الأيوبي رحلته السياسية والعسكرية تحت قيادة عمه أسد الدين شيركوه، الذي كان يخدم في جيش نور الدين زنكي، حاكم الشام، خلال فترة انهيار الدولة الفاطمية في مصر التي شهدت اضطرابات داخلية وتدخلات خارجية جعلتها ساحة صراع محتدمة، وبينما كانت الفوضى تزداد، برز صلاح الدين بقدراته العسكرية والإدارية الفذة، ليصبح فيما بعد قائدًا يوحد مصر وسوريا في مواجهة الصليبيين.

الدولة الفاطمية.. ضعف داخلي وتدخلات خارجية

شهدت مصر في القرن الثاني عشر الميلادي تراجعًا كبيرًا في سلطة الخلفاء الفاطميين، حيث انتقلت القوة الفعلية إلى الوزراء، ومع وفاة الخليفة الحافظ لدين الله عام 1149م، غرقت البلاد في صراعات داخلية، تصاعدت حدتها عام 1153م عندما اندلعت ثورة شعبية عقب مقتل عدد من أفراد الأسرة الفاطمية، وتوالت الاضطرابات حتى عام 1163م، عندما استولى الوزير ضرغام على السلطة وأطاح بشاور، الذي فر إلى الشام طالبًا العون من نور الدين زنكي، وفي المقابل، وجد ملك القدس الصليبي، عموري الأول، الفرصة سانحة فشن حملة عسكرية على مصر بعد توقف دفع الجزية، إلا أن فيضانات النيل أفشلت تقدمه عند بلبيس.

نور الدين زنكي يتدخل ومصر تتحول إلى ساحة صراع

رأى نور الدين في طلب شاور فرصة لتحقيق حلمه بالسيطرة على مصر، فأرسل جيشًا بقيادة شيركوه، يرافقه صلاح الدين، نجح الجيش في دخول القاهرة والقضاء على ضرغام، ليعود شاور إلى منصبه، لكنه سرعان ما انقلب على حلفائه، واتجه للتحالف مع الصليبيين، مقدمًا تنازلات كبيرة لضمان دعمهم، وفي المقابل، حاصر شاور وعموري الأول جيش شيركوه في بلبيس، لكن تحركات نور الدين العسكرية في الشام أجبرت الصليبيين على التراجع، ليخرج شاور منتصرًا، محتفظًا بسيطرته على مصر دون أن يخضع لأي طرف.

عودة شيركوه وصعود نجم صلاح الدين

استمر شاور في حكم مصر لكنه واجه غضبًا داخليًا بسبب تحالفه مع الصليبيين، وفي عام 1168م، شن عموري هجومًا جديدًا على مصر، استولى خلاله على بلبيس وارتكب مجازر مروعة بحق سكانها، قبل أن يتجه نحو القاهرة، ما دفع شاور لحرق الفسطاط حتى لا يستخدمها الصليبيون قاعدة لهم، ومع اشتداد الأزمة، لجأ الخليفة العاضد إلى نور الدين طلبًا للمساعدة.

استجاب نور الدين بسرعة، وأرسل جيشًا بقيادة شيركوه ومعه صلاح الدين، فاضطر عموري إلى الانسحاب عند وصول القوات الشامية إلى القاهرة في يناير 1169م، وبعد دخولها دون مقاومة، أمر شيركوه بإعدام شاور بتهمة الخيانة، وتم تعيينه وزيرًا، لكن وفاته المفاجئة بعد أسابيع فتحت الطريق أمام صلاح الدين، الذي كان يبلغ من العمر 31 عامًا، ليتولى منصب الوزارة بدعم من الخليفة العاضد.

صلاح الدين يعزز حكمه ويؤسس دولته

رغم أن صلاح الدين تولى الحكم في البداية كوالي تابع لنور الدين، فإنه سرعان ما أثبت جدارته، فتصدى لهجوم صليبي على دمياط عام 1169م وحقق انتصارًا عزز مكانته، ثم بدأ في تفكيك الدولة الفاطمية، حيث أنهى حكمها عام 1171م حين أمر بالدعاء للخليفة العباسي بدلًا من الفاطمي، لينتهي بذلك العصر الفاطمي دون مقاومة من الخليفة العاضد، الذي توفي بعد فترة وجيزة.

بذكاء سياسي، عمل صلاح الدين على ترسيخ سلطته في مصر، فكسب تأييد المصريين، وعين الموالين له في المناصب المهمة، وألغى المذهب الشيعي، وأسس المدارس لنشر الفكر السني، وبعد وفاة نور الدين زنكي عام 1174م، أصبح الحاكم الفعلي لمصر دون منازع، ليؤسس الدولة الأيوبية، التي ستلعب دورًا محوريًا في مواجهة الصليبيين واستعادة القدس لاحقًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى