تاريخ دولة الموحدين

تاريخ دولة الموحدين (10)
—————————————-
ملخص ما سبق :
بايع أصحاب ابن تومرت المقربين عبدالمؤمن بن علي في شهر رمضان 524هـ لمالمسوه من فضله وعلمه ودينه وقوة عزيمته وحسن سياسته ورجاحة عقله وشجاعته .
ويبدو أن عبدالمؤمن كان لايعتقد اعتقاداً راسخاً في عصمة ابن تومرت ومهديته وإلا فكيف يتجرأ على نسف ما وضعه بن تومرت بعد أن مهد لذلك وجعل الزمن جزءً من هدفه.
خرج عبدالمؤمن من تينملل في ربيع أول سنة 526هـ في جيش ضخم قوامه ثلاثون ألف مقاتل، فسار نحو حصن (تازا جورت) واقتحمه وقتل واليه وقتل معظم حاميته و سبى ميمونة بنت ينتان بن عمر أرملة والي الحصن كما استولى في نفس العام 526هـ على حصن هزرجة، فقد اقتحمه وأحرقه وقتل معظم حاميته
ومنها سار الى بلدة جثجال وأضرم فيها النيران وقتل أهلها، ثم سار إلى بلدة أجلاحال، فجمع عبدالمؤمن أهلها وقتل منهم مايزيد على ثلاثمائة رجل
وفي نفس العام استولى الموحدون على حصن جلاوة افتتحه الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي ، فدخله الموحدون عنوة وقتلوا كل من فيه
ثم حاصروا حصن تاسيغيموث وتواطئوا مع بعض حاميته على فتحه، فأقتحموه ليلاً، وقتلوا أبا بكر بن واصول اللمطي واليه المرابطي ومن معه من المرابطين، ونقلوا أبواب الحصن الحديدية الى تينملل .
وفي عام 526هـ حدث أمر عظيم يحمل في طياته مغزى عظيماً ومبشراً بقرب أفول عهد المرابطين، فقد انضم القائد المرابطي المشهور الفلاكي ومعه طائفة من جنده الى الموحدين ثم عاد مرة أخرى لطاعة المرابطين،.
وفي عام 528هـ قتل قائد المرابطين ابراهيم بن يوسف بن تاشفين واستطاع الموحدون فتح مدينة تارودنت أعظم معاقل المرابطين في بلاد السوس.
وفي عام 529هـ سار عبدالمؤمن لغزو بني (بيغز ) وظل عبدالمؤمن يحاصرهم نحو أربعين يوماً، فلما يئس من اخضاعهم رفع الحصار وعاد الى تينملل ..
وفي عام 533هـ تحرك عبد المؤمن بن علي من تينملل، ونزل في بلد ملول من منانة ، فزحف اليه الامير تاشفين بن علي بن يوسف ولي عهد المرابطين ومعه (الروبرتير) قائد المرابطين، فسار عبدالمؤمن الى (أجر فرجان)، فتبعه تاشفين بن علي وسد عليه الطريق، فنشبت في (أجر فرجان) معركة عنيفة بين الفريقين، هزم فيها تاشفين، وتكررت هزيمته ثلاث مرات .
وفي عام 534هـ ، خرج الأمير تاشفين بجيش ضخم من لمتونة وزناتة لقتال الموحدين و نشبت بين الفريقين معركة عنيفة رجحت في بدايتها كفة المرابطين ولكنها انتهت بهزيمتهم وانسحاب تاشفين الى مراكش حاملاً معه الروبرتير جريحاً.
وفي عام 535هـ (1140-1141م) ، خرج الجيش المرابطي من مراكش بقيادة (الروبرتير)، فاشتبك مع الموحدين بقيادة الخليفة عبدالمؤمن بن علي في مكان يسمى (امسيميصي) وانتهت المعركة بهزيمة المرابطين وعودة (الروبرتير) جريحاً الى مراكش.
ثم عاد الروبرتير بقوات لمتونة، واشتبك مع قوات عبدالمؤمن بموضع يسمى اكظرور، فهزم المرابطون، وارتد الروبرتير في فلوله جريحاً إلى مراكش .
واصل عبدالمؤمن بن علي صراعه ضد المرابطين، فخرج في قواته نفس العام – 535هـ – وحاصر حصن تينلين، وفك الحصار لما علم بتحرك المرابطين بقيادة الروبرتير صوب (تينلين)،..ومع ذلك تمكن عبدالمؤمن من فتح بعض حصون المرابطين في السوس من بينها (ايرمناد، وتاسلولت وتيونوين وايجلي ) وغيرهم .
رأى عبدالمؤمن بن علي بعد تلك الانتصارات التي أحرزها الموحدون على المرابطين أن ينقل مسرح الصراع الى قلب دولة المرابطين مستهدفاً القضاء عليها واسقاطها، وشرع في تنفيذ تلك الخطة في بداية 535هـ …..(*1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في بداية 535هـ خرج عبدالمؤمن بن علي بحملته الكبرى ضد المرابطين من تينملل في حشود ضخمة فنزل بموضع يسمى وانزال ثم زحف الى أشبار وتقع جنوب شرقي مراكش ثم غادرها الى تاساوات فدمنات بعد أن بلغه خروج تاشفين بن علي في أثره .
تابع الموحدون زحفهم نحو ” واويزغت ” دون أن يشتبكوا مع المرابطين في معركة حاسمة باستثناء موقعة محلية حدثت في تيزي ودارت فيها الدائرة على المرابطين. ثم تقدم الموحدون الى “داي” فولى حاكمها المرابطي علي بن ساقطر الادبار وأرغم أهلها على بذل الطاعة للموحدين .
وواصل الموحدون زحفهم صوب “تازاكارت” ولم تلبث هذه البلدة أن سقطت في أيديهم وتبعتها قلعة واوما، ثم آزرو التي تقاعس حاكمها في الدفاع عنها، فدخلها الموحدون، واتخذها عبدالمؤمن قاعدة لقيادته، وجه منها عدداً من الحملات لاخضاع المناطق المجاورة، وأرسل بعض أشياخ الموحدين الى تينملل يبشرون أهلها بانتصارات عبدالمؤمن.
وهكذا دخل أهل فازاز جميعاً في طاعة الموحدين وأقام عبدالمؤمن فترة في أزرو حيث تزوج من احدى نسائها.
واصل عبدالمؤمن زحفه، فخرج من أزرو حيث اعترضته قوة مرابطية على طريق مكناسة، ففتك بها وأباد معظمها، واستولى على كميات كبيرة من المؤن والعتاد، ثم هاجم قواعد المرابطين في غريس الواقعة جنوبي آزرو، وتمكن من بسط نفوذه على جميع المناطق الواقعة جنوبي آزرو، وعندئذ اتجه نحو سلجماسة، فبادر واليها أبو بكر بن صارة بالدخول في طاعة الموحدين.
وفي أوائل عام 536هـ قامت سرية موحدية على رأسها عبدالرحمن بن زكو بمهاجمة مدينة صفروي واقتحمتها، وتابع ابن زكو زحفه الى الشمال الشرقي نحو الفلاج الواقعة شمال شرقي صفروي.
وفي هذا الاثناء غادر تاشفين بن علي مدينة فاس الى جبل العرض فعسكر به، ثم بعث الروبرتير في قوة الى الفلاج لاستنقاذها، فخرج اليه الموحدون بقيادة يحيى آغوال، فنشبت بينهما معركة عنيفة هزم فيها الموحدون وقتل قائدهم يحيى، واحتز رأسه وأرسل إلى فاس ثم تقدم الموحدون نحو أرض غياثة الواقعة شرقي فاس، وضربوا محلتهم على سفح جبل عفرا، بينما عسكر المرابطون في موضع يسمى النواظر يقع على مقربة من جبل عفرا.
ولم يمض وقت قصير حتى حل فصل الشتاء وكان شتاءاً قاسياً تعرضت فيه المنطقة خلال أسابيع لعواصف عاتية وسيول مدمرة اكتسحت السهول والقرى والوديان وقاسى بسببها العسكران أيما عناء وشدة، إلا أن وقعها على المرابطين كان أشد وأنكى، حيث تساقطت الخيام، وعامت أوتادها لرخاوة الارض، وغرقت الدور وهلك عدد كبير من عسكر المرابطين بسبب البرد القارس وقلة الأقوات والوقود في كل من المعسكرين ..
ومع حلول فصل الربيع استأنف الموحدون زحفهم فكان أول موضع قصده عبدالمؤمن هو قلعة الولجة من حصون المنطقة المعروفة باسم لكاي وتقع الى الشمال الشرقي من فاس. وفي نفس الوقت تقدم تاشفين بن علي ومعه الروبرتير في أثر الموحدين، فاضطر الموحدون الى ترك أرض لكاي الى أرض بني غمارة من بطون صنهاجة، وكانوا قد أظهروا ولاءهم للموحدين ودخلوا في طاعتهم.
وعندئذ سار تاشفين والروبرتير إلى أرض بني تاودا ونزلوا بها، وأصبح العسكران كفرسي رهان، كلما تقدم الموحدون سار وراءهم المرابطون، ثم خرج الروبرتير واشتبك مع الموحدين في معركة عنيفة في موضع يقال له “تازغدرا” أسفرت عن قتل عدد من القوتين، ارتد الروبرتير على أثرها الى بني تاودا بينما سار الموحدون الى “تاغزوت” ومنها الى بني مزكلدة، ثم الى ايلانة ثم إلى أيجن.
وفي أيجن مرض الشيخ أبو حفص عمر بن علي أزناج أحد جماعة العشرة، فلما شعر بدنو أجله وعظ أشياخ الموحدين ونصحهم بالتزام الصبر والتمسك والاخلاص لمبادئ ابن تومرت، وطاعة عبدالمؤمن، ثم توفي في مساء نفس اليوم ودفن في موضع يسمى “بجدار نمضى” ،..
ثم واصل الموحدون سيرهم في الريف، مروراً بتا مقريت ووادي لو أرض بني سعيد. ومن وراءهم الروبرتير يتعقبهم الى أن وصل إلى مدينة تطوان، في الوقت الذي وصلت قوات الموحدين الى قلعة باديس المطلة على البحر المتوسط، ومكنت نفوذها في تلك النواحي، وواصلت من هنالك تقدمها الى ثغر المزمة ومنها الى جبل تمسامان، حيث وجه عبدالمؤمن قائده عبدالرحمن بن زكو في قوة من الموحدين لغزو مليلة، فاقتحمها وظفر بغنائم وفيرة ..
ثم رحل الموحدون الى ندرومه من بلاد كوميه، قبيلة عبدالمؤمن ومنها واصلوا تقدمهم شرقا إلى تاجرا مسقط رأس عبدالمؤمن وفي هذه البلدة وجه عبدالمؤمن ثلاث حملات :
▪︎ الأولى بقيادة عبدالرحمن بن زكو، وجهتها ثغر وهران، تمكنت من اقتحامه والاستيلاء عليه،
▪︎ والثانية بقيادة الشيخ أبي ابراهيم اسماعيل، وكانت وجهتها قبائل بني وانوان،
▪︎ والثالثة بقيادة يوسف بن واندوين وسارت الى جبل مديونة من أحواز تلمسان، فخرج اليها المرابطون من تلمسان بقيادة أبي بكر بن الجوهر، ومحمد بن يحيى بن فانو، ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة في وادي الزينون، انهزم فيها المرابطون وقتل القائدان ابن الجوهر وابن فانو،
وهكذا واصل الموحدون سلسلة انتصاراتهم، على قوى المرابطين وان كانت كلفتهم كثيراً طوال حياة أمير المسلمين علي بن يوسف لمحبة الناس له وعظم هيبته في نفوس المرابطين، .
كانت وفاة الأمير علي بن يوسف سنة 537هـ بداية لنهاية دولة المرابطين، وتولى الحكم بعده تاشفين الذي كان متفرغاً في حياة والده لقتال الموحدين، لذلك خف الضغط على الموحدين لانشغال تاشفين عنهم بعض الوقت بشئون الحكم الداخلية وبالمحافظة على هيبة المرابطين في الأندلس (*2)
ومما زاد الأمر سوءاً أن النورمان أدركوا حرج الدولة المرابطية في ذلك الوقت، وداهموا سبتة بأسطول يتألف من نحو مائة وخمسين سفينة حربية في عام (538هـ) فتصدى لهم الأسطول المرابطي بقيادة علي بن ميمون وأنزل بهم هزيمة نكراء.
وفي هذا الوقت أيضاً حدث خلاف بين لمتونة ومسوفة من قبائل المرابطين فانضمت مسوفة الى الموحدين.
وفي عام 539هـ/ 1144م تمكن عبدالمؤمن بن علي من قتل القائد المرابطي الروبرتير ودخل تلمسان وفي 27 رمضان من نفس العام قتل تاشفين ودخل الموحدون وهران، وفي 14 ذي القعدة 540هـ/ دخل الموحدون فاس، وفي 18 شوال تمكنوا من دخول مراكش … (*3).
وهكذا نجح الموحدون في إسقاط دولة المرابطين بعد سلسلة طويلة من الصراع المرير استخدم فيه الطرفان مختلف الخطط ضد بعضهما البعض ولكن خطط الموحدين كانت أحكم من خطط المرابطين، فقد اعتمد الموحدون أسلوب الحرب الطويلة مستخدمين أسلوب حرب العصابات فقضوا على اقتصاديات دولة المرابطين.
كما شجع هذا الوضع الاسبان النصارى على تشديد الضغط على المرابطين لتحويل المعركة لصالحهم وقد صور صاحب الحلل الموشية (*4) ذلك بقوله:
{ وتأججت نار الفتنة بالمغرب، وبسبب هذه الفتنة اتصلت الحرب، وغلت الأسعار وتوالت الفتن، وعم الجدب وقلت المجابي وكثر على أهل الإسلام المحن بالعدوتين ووجه كثير من حماة الأندلس الى العدوة ونقل اليها كثير من أسلحتها وعددها …
—–
(* المغرب عدوة الأندلس يعني أول ما يعبر إليه من مضيق البحر) ..
——-
فكان ذلك أعظم فساد حل بالأندلس واختل عليهم وألح النصارى بالضرب على جهات بلاد الأندلس حين علموا عجز الإمارة بالمغرب عن الدفاع لما فيه من الفتن حتى تغلبوا على كثير من بلادها، وكان الإسلام بها عزيزاً والكفر مقهوراً والجزية مرتفعة منذ ملكها يوسف بن تاشفين إلى زمان خروج المهدي فساءت الأحوال وكثرت الشدائد والأهوال } ..(*5).
وبعد دخول الموحدين مراكش اصبح عبدالمؤمن سيد المغرب الأقصى كله، فكان لابد من توطيد اركان دولته الجديدة في الأندلس والمغرب الأدنى والأوسط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموحدون يخضعون بالأندلس
بعد أن احتل عبدالمؤمن بن علي مدينة فاس وحاصر مراكش تلقى من أهل سبتة بيعتهم له، فولى عليهم يوسف بن مخلوف الهنتاتي ولكن أهل سبتة انتقضوا على يوسف بن مخلوف وقتلوه هو ومن معه من الموحدين،
وجاز (عبر)القاضي عياض واليهم السابق إلى يحيى بن علي بن غانية المسوفي والى الأندلس، فلقيه بالجزيرة الخضراء وطلب منه والياً على سبتة، فأرسل معه يحيى بن أبي بكر المعروف بالصحراوي، فقام بأمر سبتة وشكل حلفاً مع القبائل الخارجة عن الموحدين من أمثال برغواطة ودكالة، …
إضطر عبدالمؤمن إلى قتال هؤلاء الخارجين عليه، فاستطاع أن ينكل فيهم بالقتل والأسر والسبي حتى انقادوا لطاعته، ثم عاد إلى مراكش وتقدم الصحراوي بطلب العفو عنه، فعفا عبدالمؤمن عنه، وراجع أهل سبتة طاعتهم، وكذلك أهل سلا الذين كانوا خرجوا عليه …(*6).
وبعد هذه المعارك الطاحنة في المغرب الأقصى واستتاب الأمر لعبدالمؤمن وجه نظره الى الأندلس وكانت كثير من مدنها قد استغلت الصراع بين المرابطين والموحدين فأعلنت ثوراتها وانفصالها عن المرابطين ..
وزادت هذه الثورات عنفاً بعد وفاة تاشفين بن علي في عام 539هـ
وكان علي بن عيسى بن ميمون من بين هؤلاء الثوار، فاستقل بقادس ودخل في طاعة الموحدين، وخطب أول خطبة لهم في قادس سنة 540هـ كذلك قام أحمد بن قيس الصوفي الثائر في مرتلة بنفس العمل، …
فلما استولى أبو محمد سدراي على مرتلة أجاز ابن قيس إلى عبدالمؤمن بمراكش عام 541هـ ورغبه في احتلال الأندلس وضمها إلى دولة الموحدين فسير عبدالمؤمن معه جيشاً بقيادة براز بن محمد المسوفي، في شعبان 541هـ، ثم أمده بجيش آخر بقيادة موسى بن سعيد وجيش آخر بقيادة عمر بن صالح الصنهاجي.
فلما عبروا الزقاق ونزلوا بالأندلس، هاجموا أبا القمر بن عزوز بشريش ورندة، فدخل في طاعة الموحدين، ثم قصدوا لبلة وأخضعوا يوسف بن أحمد البطروجي، ثم مضوا إلى مرتلة، فدخلوها وافتتحوا بعد ذلك شلب،
وقصدوا باجة وبطليوس، فدخل أبو محمد سدراي ابن وزير في طاعتهم، كما انضوت اشبيلية في سنة 541هـ تحت لوائهم بعد ان اقتحموها براً وبحراً، ثم دخلوا مالقة في هذه السنة.
غير أن يوسف البطروجي لم يلبث ان نكث بطاعته للموحدين، وحول الدعوة عنهم، كما ارتد عن طاعتهم ابن قيس في شلب، وعلي بن عيسى بن ميمون في قادس، ومحمد بن علي بن الحجام في بطليوس، بينما بقى أبو القمر بن عزوز على طاعتهم في شريش ورندة.
اضطرت أحداث الأندلس عبدالمؤمن إلى إرسال جيش إليها يقوده يوسف بن سليمان، فنزل يوسف باشبيلية التي اتخذها الموحدون حاضرة لهم في الأندلس، وتمكن يوسف من بسط نفوذ الموحدين على بطليوس وشنتمرية وقادس وشلب ولبلة، ثم دخلت قرطبة وجيان في طاعة الموحدين سنة 543هـ..
ولم تبدأ سنة 545هـ حتى كان رؤساء الأندلس الذين كانوا قد أعلنوا ثوراتهم على المرابطين، واستقلوا بمدنهم، قد بايعوا عبدالمؤمن بن علي وأعلنوا الدخول في طاعته وبذلك فرض الموحدون طاعتهم على قادس واشبيلية، وقرطبة، ومالقة، والجزيرة، ولبلة، وشلب، وشريش، ومرتلة،
حاول المرابطون استرجاع ألمرية من يد النصارى في عام 546هـ وحاصروها، إلا أنهم فشلوا في اقتحامها وتخليصها من العدو بسبب حصانة أسوارها وإن كانوا قد نجحوا في اقتحام المرسى وحرق السفن والأجفان الراسية به، ووصلوا إلى المسجد الجامع.
وفي سنة 549هـ تغلب الموحدون على غرناطة بعد أن خرج عنها ميمون بن بدر اللمتوني، وتوطد نفوذهم في جنوب الأندلس.
ثم تلقى أبو سعيد عثمان بن عبدالمؤمن، والي الجزيرة ومالقة وغرناطة أمر أبيه بمحاصرة المرية براً وبحراً وتخليصها من النصارى، فتقدم أبو سعيد إلى المرية للجهاد بصحبة أخية أبي حفص، ونصب الموحدون المجانيق على القصبة بعد ان احتلوا المدينة وحاصروها حصاراً محكماً.
وحاول ألفونسو السابع الملقب بالسليطين أن ينقذ النصارى من هذا الحصار فأقبل إلى نصرتهم على رأس جيش من 12 ألف مقاتل، وانضم إليه حليفه ابن مردنيش في قوة من 6 آلاف مقاتل، اضطر السيد أبو سعيد عثمان الى استمداد الخليفة، فوجه إليه القائد الكاتب أبا جعفر بن عطية ومعه الأمير أبو يعقوب يوسف بن عبدالمؤمن، والى اشبيلية فازدادت قوة الموحدين بقدومه ..
و نتيجة لذلك اضطر ابن مردنيش وأمام وخز الضمير ولوم النفس الشديد إضطر للرجوع من حيث أتى، إذ رأى “العار على نفسه في قتالهم مع كونهم يقاتلون النصارى فارتحل”.
وولى عسكر الفونسو الأدبار تاركين حامية قصبة المرية لمصيرها التعس، ومات الفونسو في طريقه إلى بياسة سنة 552هـ وخلا الجو للموحدين، فشددوا الحصار على القصبة، واستولوا عليها في سنة 552هـ وهكذا استرد الموحدون المرية، وقد تهدمت أبنيتها، وتغيرت محاسنها …(*7).
وفي سنة 555هـ أمر عبدالمؤمن ولده أبا سعيد عثمان ببناء جبل الفتح وتحصينه، فتم بناؤه على يدى الحاج يعيش المهندس، وعلى أثر ذلك جاز (عبر) عبدالمؤمن من طنجة إلى الأندلس، فنزل بجبل الفتح وأقام شهرين أشرف خلالهما على أحوال الأندلس، …
ووفد إليه قوادها وأشياخها لتحيته ثم أمر بغزو غرب الأندلس، فسير الشيخ أبا محمد عبدالله بن أبي حفص من قرطبة، ففتح حصن أطرافكمش من أحواز بطليوس، واستولى الموحدون على بطليوس وباجة ويابرة وحصن القصر، ثم عاد عبدالمؤمن بعد ذلك إلى مراكش …(*8).
———————————————‐———————
إخضاع المغرب الأدنى والأوسط
تمت سيطرة الموحدين على الأندلس عام 556هـ وكانت أخبار المغرب الأوسط والأدنى تصل إلى خليفة الموحدين عبدالمؤمن بن علي تشكو اختلاف الأمراء وتطاول العرب من بني سليم وهلال على إفريقية بالعبث والفساد،..
كما بلغه استيلاء النورمانديين على سواحل إفريقية، فزحف في سنة 546هـ من مراكش قاصداً مملكة يحيى بن عبدالعزيز بن المنصور بن الناصر بن علناس الحمادي ببجاية، فدخل مدينة الجزائر على حين غفلة،..
فخرج إليه الأمير الحسن بن علي بن يحيى بن تميم، وكان قد انتقل إليها بعد سقوط المهدية في أيدي النورمان، فقدمه أهلها على أنفسهم، فلما علم بقدوم عبدالمؤمن بن علي خرج للقائه فتلقاه بحفاوة بالغة وصحبه في غزو إفريقية …
ثم سار عبدالمؤمن نحو بجاية، فأخرج يحيى بن العزيز أخاه سبع للقاء جيوش عبدالمؤمن، فانهزم هزيمة نكراء، ودخل الموحدون بجاية ولما رأى يحيى ألا طاقه له بمحاربة عبدالمؤمن، هرب في البحر إلى صقلية لقصد الانتقال منها إلى بغداد، وحمل معه ما استطاع من الذخائر والجواهر والذهب والأموال، ثم عدل عن ذلك ونزل في بونة على أخيه الحارث، ثم رحل عنه إلى قسنطينة، فنزل على أخيه الحسن.
أما عبدالمؤمن فقد قصد بجيوشه قلعة بني حماد معقل الصنهاجيين الأعظم، وحرزهم الأمنع، واقتحمها عنوة، فخربها، وأضرم النار في مساكنها، وقتل جوش بن العزيز ولما استولى عبدالمؤمن على الجزائر وعلى بجاية والقلعة وأعمالها، استعمل عليها ابنه عبدالله، ورتب من الموحدين من يقوم بالدفاع عنها وكر عائداً إلى مراكش.
وكان يحيى بن العزيز قد نزل عن قسنطينة لعبدالمؤمن على أن يؤمنه، فأمنه وأصحبه معه إلى مراكش في سنة 547هـ وأسكنه بها، ثم انتقل يحيى إلى سيلا سنة 558هـ فسكن قصر بن عشيرة إلى أن توفي في هذه السنة.
أما الحسن بن علي فقد صحب عبدالمؤمن في غزواته الأولى إلى افريقية، كما صحبه في سنة 554 في غزوته الثانية، فحاصر معه المهدية، ثم دخلها وسكن بها ثمان سنوات إلى أن استدعاه أبو يعقوب يوسف بن عبدالمؤمن، فرحل بأهله إلى مراكش، وتوفي بتامسنا في سنة 563هـ.
ثار عرب الأثيح ورياح وزغبة في سطيف على عبدالله بن عبدالمؤمن بن علي من أجل اعادة دولة بني حماد، فأرسل عبدالمؤمن بن علي إلى ابنه مدداً، والتقى عبدالله بن عبدالمؤمن بهم في سطيف، فانهزم العرب، وأعلنوا استسلامهم للموحدين، وقدم إليه وفد من كبرائهم طائعين، فأكرمهم، ووصلهم وأعادهم إلى إفريقية معززين.
وكان لذلك أكبر الأثر في دخول العرب في طاعته، فاتخذ منهم جنداً وأقطع رؤساءهم بعض تلك البلاد ثم انه استنفرهم إلى الغزو بالأندلس، فاستجاب له منهم جمع عظيم. فلما اراد الجواز إلى الأندلس في سنة 555هـ أدخلهم بها، وجعل بعضهم في نواحي قرطبة، وبعضهم في إقليم إشبيلية، مما يلي شريش وأعمالها،
وقد استكثر منهم أبو يعقوب يوسف وأبو يوسف يعقوب المنصور، ويذكر المراكشي أن بالجزيرة في أيامه من عرب زغبة ورياح وجشم وغيرهم نحو من 5 آلاف فارس سوى الرجالة …(*9).
وفي هذه الأثناء كان عبدالله بن عبدالمؤمن قد خرج في جيش كبير من المصامدة والعرب ونزل على مدينة تونس سنة 552هـ، فحاصرها، وأخذ في قطع أشجارها وتغوير مياهها، وكان قد استقل بها عبدالله بن خراسان، فخرج أهل تونس لمقاتلة الموحدين، وانضم إليهم محرز بن زياد أمير بني علي من بطون رياح هو وقومه من العرب فهزموا الموحدين ..(*10).
وتوفي عبدالله بن خراسان أثناء ذلك، فخلفه علي بن أحمد بن عبدالعزيز بن خراسان، وعاد عبدالله بفلول أصحابه إلى بجاية فكتب إلى أبيه بذلك.
فخرج أبوه من مراكش في جيوش لاتحصى في 10 شوال سنة 553هـ بعد أن استخلف على مراكش أبا حفص بن يحيى، وترك معه ولده السيد أبا الحسن.
ثم زحف إلى مدينة تونس ففتحها عنوة، ثم واصل زحفه إلى المهدية، وضرب عليها الحصار. وكانت الإمدادات تأتي حاميتها من صقلية، ولذلك طال الحصار إلى سبعة أشهر، ثم افتتحها عبدالمؤمن بعد أن أمن حاميتها على أن يخرجوا منها إلى صقلية، ودخلها في سنة 554هـ.
وكان عبدالمؤمن أثناء حصاره للمهدية قد بعث ابنه عبدالله لمحاصرة قابس، فاستولى عليها من بني كامل من رياح، المتغلبين عليها، كما استولى على قفصة من بني الورد، وعلى طبرقة من مدالع بني علال، وجبل زغوان من بني حماد بن خليفة، وشقنبارية من بني عماد بن نصر الله الكلاعي، والأربس من بني فثانة العرب ويذكر المراكشي أنه افتتح طرابلس الغرب أيضاً، وافتتح بلاد الجريد كلها …(*11)
وعاد بعد ذلك إلى مراكش بعد أن أتم إخضاع إفريقية كلها وضمها إلى دولته، وأصبحت دولة الموحدين تمتد من طرابلس شرقاً إلى السوس الأقصى غرباً، لأول مرة في تاريخ المغرب منذ عصر الولاة ….(*12).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*1) انظر: الفقرة السابقة تاريخ دولة الموحدين (9)
(*2) المغرب الكبير/الشيخ محمد علي دبوز (2/783 – 786)
(*3)مؤلفه مجهول .
(*4) الحلل الموشية ص (12) .
(*5) انظر: تاريخ المغرب والأندلس في عصر المرابطين ص (121 ، 122، 123، 124)
(*6) انظر: المغرب الكبير (2/788)
(*7) انظر: المغرب الكبير (2/791)
(*8) انظر: المغرب الكبير (2/792)
(*9) المراكشي ص (226)
(*10) انظر: المغرب الكبير (2/795)
(*11) المراكشي، ص (230)
(*12) انظر: المغرب الكبير (2/799)
☆ دولة الموحدين .د. علي الصلابي الفصل الثاني مختصر