تاريخ ومزارات

نهاية الأندلس و تاريخ المورسكيين 

نهاية الأندلس و تاريخ المورسكيين
———————————————————-
بعد موقعة العقاب المشئومة في 609 ه/ 1212م وهزيمة جيوش الموحدين بقيادة محمد الناصر وانسحاب فلوله إلى المغرب حيث مات كمدا في السنة التالية ؛ وتوالى سقوط مدن الأندلس على الهيئة التي وضحناها سابقا.. وكذا بدأ انهيار دولة الموحدين ولم يأت منتصف القرن السابع الهجري 650 ه/1253م الثالث عشر الميلادي حتى كان معظم ولايات الأندلس ، قد سقطت في يد أسبانيا النصرانية ولم يبق من تراث الأمة الإسلامية ، سوى بضع ولايات صغيرة في طرف أسبانيا الجنوبي وأخذت الأندلس عندئذ ، تواجه شبح الفناء مرة أخرى .
ولكن شاء القدر أن يسبغ على الدولة الإسلامية بالأندلس حياة جديدة في ظل مملكة غرناطة، التي استطاعت أن تبرز من غمار الفوضى وأن تذود عن الإسلام و دولته الباقية أكثر من قرنين .
وكان من حسن.طالع هذه المملكة الإسلامية الصغيرة ، أن شغلت عدوتها القوية اسبانيا النصرانية إلى حين ، بمنازعاتها وحروبها الداخلية .
————————————-
🔹️ تاريخ نشأة مملكة غرناطة
بعد وفاة الخليفة المُوحدي مُحمَّد الناصر بن يعقوب بن يُوسُف في 610 هـ / 1213م ، بدأ انهيار الدولة المُوحديَّة في المغرب والأندلُس، إذ جاء بعدهُ خُلفاء ضعاف أوَّلُهم ابنه أبو يعقوب يُوسُف الذي تلقَّب بِالمُستنصر بِالله، وكان أضعف من أن يتولَّى مقاليد الحُكُم في تلك الظُرُوف الحرجة. كان فتىً يبلغ السادسة عشرة من العُمر، مال إلى الدّعَة وانغمس في اللهو والترف .
توزَّع الحُكُم في الأندلُس آنذاك بين ثلاثة من أعمام يُوسُف المُستنصر هم :
▪︎عبد الله في بلنسية ودانية وشاطبة ومرسية،
▪︎وأبو الحسن في غرناطة،
▪︎وأبو العلاء إدريس في قُرطُبة.
وتُوفي المُستنصر وهو يلهو بين أبقاره، إذ هجمت عليه بقرة وضربته بِقرنيها في موضع القلب، فتُوفي لِساعته يومَ السبت 12 ذي الحجَّة 620هـ المُوافق فيه 6 كانون الثاني (يناير) 1224م.
بوفاة يُوسُف المُستنصر الفُجائيَّة ظهر الخِلاف واضحاً بين أشياخ المُوحدين حول خلافته. ويقُولُ المُؤرِّخ عبد الواحد بن عليّ المُرَّاكشيّ إنَّهُ في سبيل الخُرُوج من هذا المأزق اختار هؤلاء المشايخ أبا مُحمَّدٍ عبد العزيز بن يُوسُف خليفةً كحلٍّ مُؤقتٍ ريثما يتفقون على خليفةٍ دائمٍ،
في حين يقول كُلٌ من ابن خلدون وابن خلِّكان أنَّ من خلف يُوسُف المُستنصر كان أبا مُحمَّدٍ عبد الواحد بن يُوسُف.
لم يمضِ شهران على اختيار الخليفة المُوحدي الجديد حتَّى ثار عليه ابن أخيه عبد الله والي مرسية وأعلن نفسه أميراً باسم «العادل في أحكام الله»،
واعترف أخوه أبو العلاء إدريس والي قُرطُبة بِسيادته، ودخلت غرناطة ومالقة في طاعته، وأوعز إلى أنصاره في مُرَّاكش بِالثورة على الخليفة المُؤقَّت، فخُلع في 13 صفر 621هـ المُوافق فيه 7 آذار (مارس) 1224م، وقُتل بعد ثلاثة أيَّام.
وعبر العادل البحر إلى المغرب في أواخر سنة 622 ه. وتربع على كرسي الخلافة .وكانت أحوال الدولة الموحدية قد ساءت يومئذ ومزقتها الأهواء والفتن . ولم يمض قليل على قيام
العادل في الخلافة حتى خرج عليه بالأندلس ، أخوه أبو العلاء إدريس والی إشبيلية ، ودعا لنفسه ، وتسمى بالمأمون ،..
وكان من أصداء هذه الحركة الحديدة في مراكش أن قام الموحدون بقتل العادل ، ولكنهم لم يعلنوا بيعة المأمون ، بل
أقاموا مكانه في الخلافة ولد أخيه ، يحيى بن الناصر ( شوال 624 ه) ولما علم المأمون بذلك ، استشاط سخطا ، وقصد إلى فرناندو الثالث ملك قشتالة ، وطلب إليه العون على انتزاع العرش من ابن أخيه، وقدم إليه عددا من الحصون الأندلسية
الهامة ، ودفع إليه مبلغا طائلا من المال ، وتعهد بأن تمنح النصارى في مراكش امتیازات عديدة ، وأن يسمح ببناء كنيسة لهم ، وفي نظير ذلك أمده ملك قشتالة بفرقة من جنوده ليستعين بها على مقاتلة خصمه ..
وعبر المأمون إلى المغرب في حشوده من العرب والموحدين والقشتاليين ، وذلك في أواخر سنة 629 ه/1228م ، وقصد توا إلى مراكش . وخرج الخليفة يحيى بن الناصر للقائه في قواته و نشبت بين الفريقين معركة هزم فيها يحيى ، و فر ناجيا بنفسه ، و دخل المأمون مراکش ، وتربع على كرسي الحلاقة .
وكان المأمون ، أميرا وافر الهمة والعزم ؛ يجيش بمشاريع وأطماع عظيمة فقضى الأعوام القلائل التالية في العمل على توطيد سلطانه بالمغرب ، و استبد بالحكم واستعمل الشدة والعنف ، في قمع كل نزعة إلى الخروج …
وقاد حركةً تجديديَّةً ألغى بِمُوجبها بعض النُظُم المُوحديَّة منها إبطال عصمة ابن تومرت المهدي ومحو اسمه من الخطبة والسكَّة، كما قتل نحو مئةٍ من مشايخ المُوحدين لِعللٍ مُختلفةٍ اتهمهم بها، وسمح لِجماعةٍ من النصارى القشتاليين بِبناء كنيسةٍ في مُرَّاكش.
ونتيجة هذا كفَّر الشعبُ الخليفة الجديد، وسرت روح السخط بين القبائل، وأخذ الزُعماء المُتوثبون يترقَّبون الفُرص، واشتعلت نيران الثورة في المغرب، وفي تلك الأثناء أخذ سُلطان المُوحدين في الأندلُس يضطرب ويتداعى بِسُرعةٍ وينهار حُكمهم تباعاً.
-‐————————
🔹️ ظهور محمد بن هود في الأندلس
ففي تلك الآونة ظهر في منطقة مرسية أميرٌ من سُلالة بني هود العائدة إلى عصر مُلُوك الطوائف يُدعى مُحمَّد بن يُوسُف بن هود، وسيطر على تلك المنطقة وتلقَّب باسم «المُتوكِّل على الله»، ودعا بِوُجُوب تحرير الأندلُس من نير الموحدين والنصارى معاً لا سيَّما بعد أن تحالف الخليفة المُوحدي إدريس المأمون مع ملك قشتالة وتنازل لهُ عن عددٍ من الحُصُون والقواعد، ومنح المسيحيين في أراضيه امتيازاتٍ خاصَّةً مقابل مُعاونة ملك قشتالة له على مُحاربة خُصُومه،
و كان إبن هود قد ظهر لأول مرة في أحواز مرسية في سنة 620 ه/1228م ، في الوقت الذي أخذ فيه سلطان الموحدين
يضطرب و پتصدع في الثغور والنواحي ، ثم أغار على مرسية في عصبته القليلة حينئذ واستطاع أن ينتزعها من يد حاكمها الموحدى السيد أبي العباس .
تحمس الأندلُسيُّون واندفعوا إلى الانضواء تحت لواء ابن هود فأعلن أنه يعتزم تحرير الأندلُس من سُلطان المُوحدين الذين لم يعودوا أهلاً لِلحُكم، وكذا من النصارى المُتوثبين لِطرد المُسلمين من البلاد، وأنَّهُ سيعمل على إحياء الشريعة الإسلاميَّة وسُننها،
ودعا لِلخلافة العبَّاسيَّة، وكاتب الخليفة العبَّاسي المُستنصر بالله أبو جعفر منصور بن مُحمَّد بِبغداد وأعلن تبعيَّة الأندلُس لِلعبَّاسيين، فبعث إليه الخليفة المذكور بِالخلع والمراسيم.
ولم يمضِ سوى قليلٍ حتَّى دخلت في طاعة ابن هود عدَّة من قواعد الأندلُس مثل جيَّان وقُرطُبة وماردة وبطليوس، ثُمَّ استطاع أن ينتزع غرناطة قصبة الأندلُس الجنوبيَّة من المأمون في سنة 628هـ المُوافقة لِسنة 1231م.
وفي مُفتتح سنة 630هـ المُوافقة لِسنة 1233م، تُوفي المأمون وهو في طريقه إلى مراكش ، ليعمل على إنقاذ عرشه من المتغلبين عليه ؛ وخلفه ابنه الفتى عبد الواحد الرشيد، واعترف بِخِلافته قسمٌ من الأندلُس الإسلامية مثل إشبيلية والجزيرة الخضراء مما زاد الأُمور تأجُجاً في البلاد حيثُ استمرَّ ابن هودٍ مدةً يخوضُ مع المُوحدين والنصارى معاركَ مُتعاقبة.
فأما عن صراعه مع الموحدين ، فقد بذل المأمون الخليفة الموحدي قبل عبوره إلى المغرب محاولة لإخماد حركة ابن هود في المشرق ، فلم يفلح ( 626م ) ، وكان من أثر هذا الفشل ، أن تمكنت دعوة ابن هود ، وقامت إشبيلية عاصمة الموحدين في الأندلس بالدخول في طاعته ، على أن ابن هود لم يحرز مثل ذلك التوفيق في محاربة النصارى .
وبينما كان سلطان الموحدين بالأندلس يدنو سريعا من نهايته ، كانت دولتهم بالمغرب تدخل في دور الانحلال وتجوز مراحلها الأخيرة..
في هذا الوقت الذي اندلعت فيه الثورات في رُبُوع الأندلُس الإسلامية كانت الممالك المسيحيَّة فيها تسيرُ بِخُطىً ثابتةً، وتتطلَّع بِأملٍ إلى حيازة كافَّة المُدن الأندلُسيَّة من أيدي المُسلمين مُستغلَّةً انهيار الجبهة الدفاعيَّة وتراجُع القُوَّة العسكريَّة للمُوحديَّن وانهماكهم في خلافاتهم الداخليَّة وحُرُوبهم الأهليَّة،
رأی ألفونسو التاسع ملك ليون أن ينتهز فرصة اضطراب
الأحوال في الأندلس ، وانهيار سلطان الموحدين في شبه الجزيرة ، فخرج في قواته إلى منطقة الغرب الأندلسية ، وزحف على مدينة ماردة ، وضرب حولها الحصار . ولما علم این هود بذلك ، سار في بعض قواته نحو الغرب لينقذ المدينة
المحصورة ، واشتبك مع الليونيين في معركة هزم فيها ، واستولى الليونيون على ماردة ، ثم احتلوا بعد ذلك بقليل مدينة بطليوس ، وذلك في أواسط سنة 627 ه/1230م
وكان هذا النصر العسكري آخر عملٍ حربيٍّ قام به ألفونسو التاسع قبل وفاته.
وإلى جانب ملك ليون كان ابنه فرديناند الثالث ملك قشتالة
يرقب الفرصة في نفس الوقت ، لينتزع ما يمكن انتزاعه من أراضي الأندلس المتاخمة لقشتالة . فسير قواته لمقاتلة ابن هود ، وقد كان يبدو في نظره يومئذ زعيم الأندلس الحقيقي . وكان ابن هود قد استطاع في تلك الآونة ، أن يبسط سلطانه على الولايات والشواطىء الجنوبية ، فيما بين الجزيرة الخضراء وألمرية ، وفيما بين قرطبة وغرناطة ، وكان يرى في مقاتلة النصاری عاملا لتدعيم دعوته وسلطانه .
فسار للقائهم فالتقى الجمعان في فحص شريش على ضفاف نهر وادي لكة، فانهزم المُسلمون رَغم تفوُّقهم العددي، وسار فرديناندو بعد ذلك لاجتياح أُبَّدة فسقطت في يده بعد حصارٍ قصيرٍ سنة 631هـ المُوافقة لِسنة 1234م.
وتوغل الملك القشتالي جنوباً حتَّى وصل فحص غرناطة مُدمِّراً القُرى ومُهلكاً الزرع في دربه، ثُمَّ عاد إلى الشمال وحاصر جيَّان غير أنَّهُ فشل في اقتحامها ففكَّ الحصار عنها بعد مضيّ ثلاثة أشهر وعاد أدراجه لِيكتشف وفاة والده، فتوجَّه إلى ليون على وجه السُرعة ليجلس على عرشها مكانه ويُوحّد بين مملكتيّ قشتالة وليون.
——————-
🔹 ️ظُهُور محمد بن الأحمر (مُحمَّد بن يُوسُف بن نصر)
يرجعُ ابن الأحمر في نسبه إلى سعد بن عُبادة الخزرجيّ الأنصاري أحد كِبار صحابة الرسول مُحمَّد، وُلد في مدينة أرجونة من حُصُون قُرطُبة في جهة الشرق عام 591هـ المُوافقة لِسنة 1195م، وهو عام موقعة الأرك .
اشتهر بِعزمه وجُرأته في القتال ولمَّا كثُرت غزوات النصارى لِلمناطق الإسلامية في الأندلُس أخذ يدعو لِلم الشمل، فالتفَّ حولهُ الأنصار في أرجونة والمناطق المُجاورة لها ..
ودخلت في طاعته جيَّان وبسطة ووادي آش والحُصُون القريبة، وأيَّدتهُ قرمونة وقُرطُبة وإشبيليّة سنة 629هـ ثُمَّ عدلت قُرطُبة وإشبيليّة إلى طاعة ابن هود،
كما دخلت في طاعته شريش ومالقة والحُصُون القريبة منها، وانضمَّ إليه كثيرٌ من المُسلمين الذين هجروا المناطق التي احتلَّها القشتاليُّون، وارتأى أن يستظل بِدعوة الحُكَّام المُسلمين الكبار، فدعا لِصاحب إفريقية السُلطان أبي زكريَّاء يحيى بن حفص، والخليفة العبَّاسي المُستنصر بالله أبو جعفر منصور بن مُحمَّد.
ومالبث ابن هودٍ أن شعر بِخُطُورة ابن الأحمر فقرَّر القضاء عليه، غير أنَّهُ انهزم أمامهُ في معركةٍ جرت بِالقُرب من إشبيليّة سنة 631هـ المُوافقة لِسنة 1234م.
ويبدو أنَّ الزعيمين المُسلمين أدركا بعد ذلك خطر الحرب الأهليَّة بينهما، وأنَّ فرديناند الثالث المُتربِّص بكليهما هو المُستفيد الأوَّل، فمالا إلى التفاهم وعقدا صُلحاً اعترف فيه مُحمَّد بن الأحمر بِطاعة مُحمَّد بن هود مُقابل أن يُقرَّه هذا الأخير على جيَّان وأرجونة وبركونة وأحوازها.
رأى فرديناند الثالث في تحالف الزعيمين خطراً عليه، فتدخَّل لِيُفرِّق بينهما، فهاجم منطقة جيَّان التابعة لابن الأحمر من جهة، وعقد صُلحاً مع ابن هود لِثلاثة أعوامٍ من جهةٍ أُخرى على أن يدفع لهُ هذا الأخير جزيةً سنويَّةً مئةً وثلاثين ألف دينار، ويتنازل لهُ عن بعض الحُصُون الواقعة في سلسلة جبال الشارات، ثُمَّ قفل عائداً إلى بلاده، واستولى في طريقه على حصن الأطراف وشنت إشتيبن، وثلاثين حصناً آخر.
والواقع إنَّ غزوات فرديناند الثالث المُتوالية لِمناطق المسلمين في الأندلُس وعقده الاتفاقيَّات المُهدِّئة مع مُحمَّد بن هودٍ وسيطرته على حُصُون منطقة جيَّان ومدينة أُبَّدة لم تكن سوى مُقدِّماتٍ للإستيلاء على المدينة الكبيرة قرطبة .
———————-
كان ابن هود عقب هزيمته في شريش ، قد جمع قواته ، وسار لقتال خصمه ومنافسه الجديد محمد بن الأحمر في أحواز غرناطة ، ووجد النصارى من جانبهم الفرصة سانحة للزحف على قرطبة عاصمة الخلافةالأموية القديمة بالأندلس .
وكانت قرطبة بالرغم من دخولها في طاعة ابن هود ، تعاني من حالة مؤلمة من الاضطراب والفوضى ، ولم يكن لها حاكم
أو زعيم يجمع الكلمة أو يتزعم حركة الدفاع ضد النصارى .
وكان القشتاليون في الحصون القريبة ، يشعرون بضعف العاصمة التالدة ، وإمكان مهاجمتها ،.فاجتمعت بعض قوى الفرسان القشتالية المرابطة في حصون الحدود ، وسارت
تحو فرطبة ، وهاحمت قسمها الشرقي المسمى : بالشرقية ، واقتحمته ليلا ، وعلى غرة من أهله ، واستطاعوا الاستيلاء على بعض أبراجه ، ولكنهم رأوا أن الاستيلاء على المدينة ذاتها ليس بالأمر السهل، ولابد لتحقيقه من قوات ضخمة .
و علم فرناندو الثالث ، وهو في طريقه إلى ليون بما تم من استيلاء قواته على بعض أبراج المدينة ، وما تبين من ضعف وسائل الدفاع عنها ، فارتد التها مسرعا تلاحقه قواته من سائر الأنحاء ، وضرب الحصار حول المدينة ، وبادر أهل قرطبة بالتأهب للدفاع عن مدينتهم ، وأرسلوا إلى ابن هود أميرهم الشرعي ، يطلبون الغوث والإنجاد .
وقدر ابن هود خطورة الموقف ، واعتزم في الحال أن يسير إلى إنجاد المدينة المحصورة ، فسار في قواته نحو قرطبة ، ونزل في إستجة على مقربة منها ، ولكنه لبث جامدا لا يحاول الاشتباك مع النصارى.
وفي بعض الروايات أن ابن هود رأی جیش القشتاليين يفوقه في الأهبة والكثرة ، فنكل عن الاشتباك معه .
وفي البعض الآخر ، أن ابن هود ، وصله و هو على مقربة من قرطبة صريخ أبي جميل زيان زعيم بلنسية لمعاونته ضد خانمی ملك أراجون، الذي اشتد في مناوأته وإرهاقه ؛ ولاح له أن السير إلى بلنسية التي كان يطمح إلى امتلاكها أيسر وأجدى، فترك قرطبة لمصيرها، مؤملا أن يصمد أهلها للدفاع عنها ، أو يستطيع إنقاذها فيمابعد .
ولبث النصارى على حصار قرطبة بضعة أشهر ، ودافع القرطبيون عن مدينتهم وعن دينهم وحرياتهم ، أعنف دفاع وأروعه ، ولكنهم اضطروا في.النهاية ، وبعد أن أرهقهم الحصار، وفقدوا كل أمل في الغوث والإنقاذ ، إلى التسليم .
ودخل القشتاليون فرطبة في 23 شوال سنة 633 ه /(29 يونيه سنة1236م). وفي الحال حولوا مسجدها الجامع إلى كنيسة. وقد كان هذا.شعارهم كلما دخلوا قاعدة أندلسية ، وذلك إيذانا بظفر النصرانية على الإسلام .
كان لسقوط العاصمة التالدة ، أعظم وقع في الأندلس وفي سائر جنبات العالم الإسلامي ، وكان ضربة مميتة أخرى صوبتها اسبانيا النصرانية ، إلى قلب الأندلس المفككة المنهوكة القوى ،.ولم يلبث ابن هود أن توفي بعد ذلك بقليل في أوائل سنة 935 ه/ 1237م.
وكانت وفاته في ثغر ألمرية ، في ظروف غامضة . وكان قد سار إليها معتزما أن ينقل بعض قواته في البحر لإنجاد أمير بلنسية ، فقيل إن وزیره و نائبه في ألمرية أبا عبد الله محمد بن عبد الله الرمیمی استضافه في قصره ، ودبر قتله غيلة ، وزعم.في اليوم التالى أنه توفي مصروعا.
وكان الرمیمی قد قام بدعوته في ألمرية ووفد عليه في مرسية ، فقدر ابن هود عونه، وولاه و زارته وعينه حاكما لألمرية ، ثم تغير.عليه فيما يقال من أجل جارية نصرانية رائعة الحسن، كان يودعها لديه وقد أغراها الرمیمی و استأثر بها ، فسار إلى ألمرية لمعاقبته ، وخشي الرميمي العاقبة فدبر
مصرعه، ولجأ إلى الجريمة احتفاظا بسلطانه .
وكان مصرع ابن هود على هذا النحو في الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة 635 /ه 21 ینایر – 1138م .
وعلى أثر وفاة ابن هود وانهيار دولته ، بادر خايمي الأول (يعقوب) ملك أراجون بانتهاز الفرصة السانحة فغزا ولاية بلنسية بحملةٍ صليبيةٍ باركها بابا روما عقب حصارٍ دام خمسَ سنين، فسقطت بيده عام 1238موقيل قُتل وقتئذٍ ستون ألف مسلم، وعنى سقوطها فقدان التحكم بالساحل الشرقي، .
وكان قد استولى قبل ذلك بأعوام قلائل على الجزائر الشرقية جزائر البليار في الفترة 627-632 ه / 1230-1235م
أحدثت وفاة مُحمَّدِ بنِ هودٍ انعطافةً كبيرةً في تاريخ المُسلمين في الأندلُس ذلك الوقت، إذ كان حتَّى وفاته أقوى الأُمراء المُسلمين في جنوبيّ البلاد، فانهارت بِوفاته دولته التي كانت تُبشِّرُ بِبعثٍ أندلُسيٍّ جديد، وآل مُعظم تُراثه إلى مُحمِّدِ بن الأحمر أمير جيَّان وأرجونة.
————
*بتصرف : محمد عبد الله عنان : نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين ص26-38
*الإضافات :
-المرَّاكشي،المُعجب في تلخيص أخبار المغرب ; ضبط وتحقيق: مُحمَّد سعيد العريان ومُحمَّد العربي العلمي الطبعة الأولى القاهرة .
-ابن خلدون، ديوان المُبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر; تحقيق: خليل شحادة وسُهيل زكَّار . بيروت – لُبنان: دار الفكر.
-لسانُ الدين ابن الخطيب ؛الإحاطة في أخبار غرناطة (الطبعة الأولى). بيروت – لُبنان.
– مُحمَّد سُهيل طقُّوش، تاريخ المُسلمين في الأندلُس ،الطبعة الثالثة. بيروت – لُبنان: دار النفائس.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى