مذبحة بحر البقر.. جريمة إسرائيلية هزت ضمير العالم واستشهد فيها أطفال يحملون كتبهم
أسماء صبحي – تمر السنوات وتبقى ذكرى مذبحة بحر البقر محفورة في الذاكرة المصرية باعتبارها واحدة من أبشع الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين خاصة الأطفال. ففي مثل هذا اليوم قبل أكثر من نصف قرن استهدفت غارة جوية إسرائيلية مدرسة ابتدائية في قرية بحر البقر بمحافظة الشرقية. في حادثة صدمت العالم بأسره وأظهرت الوجه الحقيقي للحرب التي طالت حتى الأطفال داخل فصولهم الدراسية.
كانت المدرسة في ذلك الصباح تعج بالتلاميذ الذين جاءوا كعادتهم يحملون حقائبهم المليئة بالكتب والكراريس والأقلام.غير مدركين أن دقائق قليلة ستغيّر حياتهم وحياة أسرهم إلى الأبد. تلك اللحظات تحولت إلى مأساة إنسانية كبرى حين سقطت القنابل على مبنى المدرسة لتحصد أرواح العشرات من الأطفال الأبرياء.
مذبحة بحر البقر
في صباح ذلك اليوم، أقلعت خمس طائرات حربية إسرائيلية من طراز فانتوم F-4 متجهة نحو الأراضي المصرية وحلقت على ارتفاع منخفض في طريقها إلى قرية بحر البقر. وفي تمام الساعة التاسعة وعشرين دقيقة تقريبًا صباحًا ألقت الطائرات ما لا يقل عن خمس قنابل ضخمة على مبنى المدرسة الابتدائية.
كانت كل قنبلة تزن نحو نصف طن، ويرجح أنها من نوع Mk83 الأمريكية، وهو ما أدى إلى تدمير مبنى المدرسة بالكامل تقريبًا خلال لحظات. وأسفرت الغارة عن استشهاد 30 طفلًا وإصابة نحو 50 آخرين إضافة إلى استشهاد أحد المدرسين وعدد من العاملين في المدرسة.
المشهد كان مروّعًا بكل المقاييس؛ فالفصول التي كانت تمتلئ قبل دقائق بأصوات التلاميذ تحولت إلى أنقاض. والحقائب المدرسية والكتب تفرقت وسط الركام، لتصبح رمزًا مؤلمًا لبراءة استهدفت بلا رحمة.
ذريعة إسرائيلية ورفض مصري ودولي
بعد تنفيذ الغارة، حاولت إسرائيل تبرير الجريمة بادعاء أن المدرسة كانت موقعًا عسكريًا مخفيًا تستخدمه القوات المصرية. لكن هذا الادعاء قوبل برفض واسع، سواء في مصر أو على المستوى الدولي حيث اعتبر الكثيرون أن ما حدث جريمة واضحة ضد المدنيين.
فالمكان كان مدرسة ابتدائية معروفة، ولم يكن لها أي علاقة بالأنشطة العسكرية. الأمر الذي جعل الحادثة تصنف ضمن أبشع الجرائم العسكرية التي استهدفت المدنيين خلال تلك الفترة.
وقد أثارت هذه الواقعة موجة غضب عارمة داخل مصر وخارجها. ولفتت أنظار العالم إلى حجم المعاناة التي كان يتعرض لها المدنيون خلال الصراع العسكري بين مصر وإسرائيل في تلك السنوات.
حرب الاستنزاف وسياق الهجوم
جاءت هذه الغارة في سياق حرب الاستنزاف التي خاضتها مصر ضد إسرائيل بعد هزيمة عام 1967. وخلال تلك الحرب، نفذت القوات المصرية العديد من العمليات العسكرية الناجحة التي ألحقت خسائر كبيرة بالجيش الإسرائيلي.
ومن أبرز تلك العمليات معركة رأس العش وعمليات لسان التمساح ولسان بور توفيق، بالإضافة إلى الهجوم الشهير على ميناء إيلات الإسرائيلي. وشكلت هذه العمليات ضغطًا عسكريًا كبيرًا على إسرائيل وأظهرت قدرة الجيش المصري على استعادة زمام المبادرة.
ويرى العديد من المؤرخين أن استهداف مدرسة بحر البقر كان محاولة للضغط على مصر وإجبارها على وقف عمليات حرب الاستنزاف. من خلال توجيه ضربات داخل العمق المصري لإثارة الرأي العام.
حائط الصواريخ وأسبوع سقوط الفانتوم
في تلك الفترة كانت مصر تعمل أيضًا على بناء منظومة دفاع جوي قوية عرفت باسم حائط الصواريخ، والتي اكتمل بناؤها في يونيو عام 1970. وقد شكل هذا الحائط نقطة تحول مهمة في موازين القوة الجوية بين مصر وإسرائيل.
وبعد اكتمال هذه المنظومة، شهدت الجبهة ما عرف لاحقًا باسم أسبوع تساقط الفانتوم. حيث تمكنت قوات الدفاع الجوي المصرية من إسقاط عدد كبير من الطائرات الإسرائيلية.
بدأت هذه المواجهات في 30 يونيو 1970 حين تم إسقاط أربع طائرات إسرائيلية، واستمرت العمليات حتى السابع من يوليو من العام نفسه. ليصل عدد الطائرات التي أسقطها الدفاع الجوي المصري إلى نحو 24 طائرة، كان أغلبها من طراز فانتوم.
اعتداءات أخرى على العمق المدني المصري
لم تكن غارة بحر البقر الحادثة الوحيدة التي استهدفت فيها إسرائيل المدنيين داخل الأراضي المصرية خلال تلك الفترة. فقد شهدت السنوات التي سبقتها عددًا من العمليات العسكرية التي طالت منشآت مدنية وبنية تحتية.
ففي عام 1968 نفذت إسرائيل عملية عسكرية استهدفت منطقة قناطر نجع حمادي وكذلك كوبري دندرة في صعيد مصر. كما نفذت في 29 أبريل 1969 غارة جوية استهدفت محولات الكهرباء في نجع حمادي، مما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا المدنيين.
وفي 12 فبراير 1970 شنت إسرائيل غارة أخرى استهدفت مصنع أبو زعبل، وأسفرت عن استشهاد 70 عاملًا وإصابة 69 آخرين، بالإضافة إلى تدمير المصنع بالكامل.
ذكرى خالدة في الوجدان المصري
تظل مذبحة بحر البقر واحدة من أكثر الأحداث المؤلمة في تاريخ مصر الحديث، إذ تحولت إلى رمز لمعاناة المدنيين خلال الحروب. كما بقيت صور الأطفال وحقائبهم المدرسية وسط الأنقاض شاهدًا على فداحة الجريمة التي هزّت ضمير العالم.
ورغم مرور عشرات السنين، فإن هذه الذكرى لا تزال حاضرة في الوجدان المصري. حيث يتم استحضارها كل عام للتأكيد على أهمية تذكر التاريخ وتخليد ذكرى الضحايا الأبرياء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لصراع لم يكن لهم فيه أي ذنب.
وتبقى مذبحة بحر البقر صفحة مؤلمة في التاريخ، لكنها أيضًا تذكير دائم بقوة صمود الشعب المصري وإصراره على مواجهة التحديات والدفاع عن أرضه وكرامته.



