قبائل و عائلات

الشيخ عودة أبو تايه.. أسطورة الصحراء وشيخ الفزعات في التاريخ البدوي

أسماء صبحي– ذاكرة البادية العربية، كثيرون مروا كقادة وفرسان لكن قلما نجد شخصية جمعت بين الشجاعة، الحكمة، والكرم مثل الشيخ عودة أبو تايه. أحد أبرز رموز البدو في الجزيرة العربية، وتحديدًا في جنوب الأردن ومنطقة معان. كان أبو تايه شيخًا لقبيلة الحويطات وقائدًا فذًا في زمن التحولات الكبرى خلال بدايات القرن العشرين. وعرف بمواقفه الجريئة، وبسياسته الحكيمة، وكان له دور محوري في الثورة العربية الكبرى.

نسب الشيخ عودة أبو تايه ونشأته

ولد عودة بن خلف بن مبارك أبو تايه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حوالي سنة 1870. في منطقة البادية الأردنية التي كانت آنذاك جزءًا من الدولة العثمانية. وينتمي إلى قبيلة الحويطات، وهي من أكبر وأعرق القبائل البدوية في بلاد الشام والحجاز. وكان والده شيخًا جليلًا مما مكن عودة من التمرس في شؤون القبيلة والقيادة منذ صغره.

وصف الشيخ عودة بأنه رجل طويل القامة، قوي البنية، جهوري الصوت، يفرض حضوره في أي مجلس. وكان يتحدث ببلاغة فطرية، ويعرف متى يصمت ومتى يتكلم. وتميز بالكرم اللافت والشجاعة النادرة، حتى أن السير “لورنس العرب” وصفه بأنه الفارس الذي لا يقهر، والرجل الذي لا يخشى أحدًا.

ويقول الباحث في التاريخ البدوي د. راضي الطراونة في دراسة نشرتها جامعة مؤتة: “لم يكن أبو تايه مجرد زعيم قبيلة. بل كان زعيمًا وطنيًا بمقاييس عصره، فهم طبيعة المرحلة التاريخية وانخرط في مشروع قومي كبير، وترك أثرًا يتجاوز حدود البادية”.

مواقفه في الثورة العربية الكبرى

كان للشيخ عودة دور بارز في الثورة العربية الكبرى (1916-1918) بقيادة الشريف حسين بن علي. والتي هدفت إلى إنهاء الحكم العثماني في العالم العربي. وانضم إلى قوات الشريف مبكرًا ووفر الدعم من خلال رجاله من الحويطات. كما شارك في المعارك الكبرى وأشهرها معركة العقبة التي قلبت موازين الحرب.

وشارك أبو تايه في التحرك العسكري مع الضابط البريطاني توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب). وكان له دور في تأمين خطوط الإمداد والهجوم المفاجئ من الصحراء على القوات العثمانية. وهي الخطة التي ساعدت على تحرير العقبة عام 1917 دون قتال كبير.

وفي كتاب “أعمدة الحكمة السبعة” الذي ألفه لورنس، يقول عن أبو تايه: “لقد كان عودة هو الرجل الذي لا تهابه الصحراء، ولا يساوم في شرفه. كانت له كلمته، وكان له رجاله، وكان مفتاح النصر في كثير من المعارك”.

دوره في حماية العهود والضيوف

عرف عن الشيخ عودة بتمسكه الصارم بالأعراف البدوية، خصوصًا فيما يتعلق بالجيرة والضيافة. وكان يقول دائمًا: “من طلب جيرتي فهو بأماني حتى لو كان عدوي”.

وتحكي إحدى الروايات أن خصمًا له فر من الثأر وجاء إلى مضارب أبو تايه طالبًا الجيرة فحماه رغم معارضة بعض رجاله، وقال: “أجارني، وأنا لا أخون الجيرة ولو على حياتي”.

كما كان للشيخ عودة مكانة كبيرة بين زعماء القبائل. وقد خاض عدة نزاعات قبلية حافظ فيها على مصالح قبيلته دون أن يخل بقواعد الفروسية والشرف البدوي. وكان وسيطًا في حل الكثير من النزاعات بين القبائل خاصة في منطقة معان والجنوب الأردني، لما عرف عنه من حنكة وعدالة.

ويذكر الباحث في التراث البدوي علي الهويمل في كتابه “زعماء البادية في مطلع القرن العشرين”: “كان الشيخ عودة أبو تايه مدرسة في القيادة القبلية. يجمع بين الحزم والتسامح، بين الكرم والبأس في القتال”.

وفاة الشيخ عودة أبو تايه 

توفي الشيخ عودة عام 1924 عن عمر يناهز 54 عامًا، بعد أن حفر اسمه في ذاكرة التاريخ البدوي والعربي. ودفن في منطقة “الطفيلة” الأردنية وظل اسمه حيًّا في القصص، والأشعار، والروايات الشعبية، التي تتغنى ببطولاته ومواقفه النبيلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى