حوارات و تقارير

عبد الوهاب المسيري: مفكر دمنهور العالمي ومهندس المواجهة الفكرية مع الصهيونية

أسماء صبحي – ولد الدكتور عبد الوهاب المسيري عام 1938 في مدينة دمنهور عاصمة محافظة البحيرة. ونشأ في بيئة محافظة وثرية ثقافيًا، ومنذ صغره كان مولعًا بالقراءة والتأمل في شؤون المجتمع. وتأثر بكتب التراث والدين إلى جانب الأدب الغربي. وقد ساعده جو مدينة دمنهور بطابعها المختلط بين الريف والحضر على بناء وعي مبكر بالهُوية والانتماء.

مسار عبد الوهاب المسيري الأكاديمي

بدأ المسيري تعليمه الجامعي في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، حيث تخصص في الأدب الإنجليزي. ثم نال درجة الماجستير من جامعة كولومبيا في نيويورك قبل أن يحصل على الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة روتجرز. وهذه الرحلة التعليمية مكنته من الإلمام العميق بالثقافة الغربية التي استخدم أدواتها لاحقًا لنقدها من الداخل.

ويعد الدكتور المسيري من رواد الفكر النقدي في العالم العربي. واشتهر بإنتاجه الموسوعي الضخم “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية” التي صدرت في ثمانية مجلدات عام 1999.

في هذا العمل الاستثنائي، قدم قراءة تحليلية تخالف الطرح الصهيوني التقليدي. مركزا على البُعد التاريخي والاجتماعي والاقتصادي بدلًا من الرؤية الدينية أو العرقية. كما بين كيف أن الصهيونية حركة وظيفية تخدم أهدافًا استعمارية غربية.

من المفكر إلى الناشط

لم يكن المسيري مفكرًا نخبويًا منغلقًا على الأكاديميا، بل شارك في الحراك السياسي والاجتماعي. وكان أحد رموز حركة كفاية التي دعت للإصلاح السياسي في مصر. وقد عرف بتواضعه وتواصله الدائم مع الشباب والمثقفين. كما عمل مستشارًا ثقافيًا لبعض المؤسسات وشارك في برامج تلفزيونية ومحاضرات جماهيرية ناقش فيها قضايا الهوية والحداثة والعولمة.

واحدة من أبرز مساهمات المسيري كانت نقده العميق للحداثة الغربية. حيث رأى أنها أنتجت إنسانًا “ماديًا اختزاليًا” يفتقد للروح والمعنى. كما اعتبر أن هذه الحداثة أدت إلى تسليع الإنسان وتحويله إلى أداة. وفي هذا الإطار كان يرى أن المنظور الإسلامي يمكن أن يقدم رؤية حضارية بديلة أكثر توازنًا.

ويقول الدكتور محمد حافظ دياب، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة دمنهور، إن عبد الوهاب المسيري لا يمكن اختزاله كمثقف فقط. بل هو مشروع حضاري متكامل استطاع من خلاله أن يعيد بناء الوعي العربي في مواجهة التغريب والصهيونية والخضوع للأنماط الاستهلاكية.

توفي الدكتور المسيري في 3 يوليو 2008 بعد معاناة مع مرض السرطان. ورغم رحيله ظل حضوره قويًا في المشهد الفكري العربي، من خلال كتبه، ومقالاته، ومحاضراته. وموسوعته التي لا تزال تدرس في الجامعات والمراكز البحثية حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى