الشيخ عبدالله الشرقاوي: شيخ الأزهر الذي رفع صوت الشعب ضد الظلم

في قرية الطويلة الهادئة بمحافظة الشرقية قرب بلبيس، ولد عام 1150 هـ الموافق 1737م الإمام عبد الله بن حجازي الشرقاوي في بيت بسيط يعكس بساطة حياة الريف المصري، و نشأ الطفل تقيًا صالحًا، حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وحمل هم طلب العلم، فانتقل إلى القاهرة والتحق بالجامع الأزهر الشريف، المنارة العلمية التي كانت تجذب الطلاب من كل أنحاء العالم الإسلامي.
من هو الشيخ عبدالله الشرقاوي
في رحاب الأزهر، تلقى تعليمه على يد كبار العلماء في عصره، من بينهم الشهاب الملوي، والشهاب الجوهري، والإمام الحفني، والدمنهوري، شرب من معين الفقه الشافعي، وعلوم الحديث، والعقيدة، والتصوف، حتى أصبح شيخ علماء الشافعية ومفتيهم في زمانه، ألف مؤلفات قيمة تعكس عمق علمه ودقة فكره، واتجه إلى الطريقة الخلوتية التي تعلمها على يد الشيخ محمود الكردي.
عاش الشيخ حياة متقلبة بين الزهد والشهرة، بين الفقر والغنى، لكنه ظل ثابتًا على مبادئه، وبعد وفاة الشيخ أحمد العروسي عام 1208 هـ (1793م)، اتفق العلماء على توليه مشيخة الأزهر، ليصبح شيخًا للجامع في فترة عصيبة من تاريخ مصر.
لم تمضِ أشهر حتى ظهرت بوادر الثورة الشعبية الأولى، جاءه فلاحون من طوخ القراموص يشكون ظلم محمد بك الألفي وجنوده الذين أثقلوا كواهلهم بالمكوس الباهظة، و تأثر الشيخ، وكتب إلى المسؤولين دون جدوى، فقرر أن يتحرك عمليًا، جمع العلماء والطلبة، أغلق أبواب الأزهر، وأعلن إضرابًا عامًا أغلقت معه الأسواق والمحلات، ثم قاد موكبًا شعبيًا نحو بيت الشيخ السادات، فازدحمت الحشود أمام قصر إبراهيم بك، مطالبين بالعدل وإلغاء الضرائب الجديدة، خشي مراد بك العاقبة، فاستجاب لمعظم المطالب، وكتبت وثيقة تاريخية تحفظ حقوق المصريين، فكان ذلك أول انتصار شعبي يقوده شيخ الأزهر.
الامتحان الأعظم جاء عام 1798م مع قدوم الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت، دخل الفرنسيون القاهرة، وأنشأ نابليون ديوانًا استشاريًا برئاسة الشيخ الشرقاوي، ظنًا أنه سيغريه بالمنصب، وعندما جاء دوره، ألقى الوشاح الفرنسي أرضًا وداسه بقدميه، وقال كلمته الخالدة: «لكن قدرنا يضيع عند الله وعند إخواننا المسلمين»، صُدم نابليون لكنه احترم موقفه وأمر جنوده بتحية علماء الأزهر.
لم يكتف الشيخ بالرفض اللفظي، بل استغل مكانته لتخفيف وطأة الاحتلال ودعم المقاومة سرًا، وعندما فرض الفرنسيون ضرائب مجحفة وهدموا أبواب الحارات وفتشوا البيوت، اندلعت ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر 1798م، بارك الشيخ الثورة وفتح أبواب الأزهر للثوار، فصار الجامع مركز قيادة، غضب نابليون، فأمر بقصف الحسينية والغورية ومحيط الأزهر، واقتحم جنوده الجامع بالخيول، وقتل الكثير من العلماء، وأعدم أربعة من شيوخه.
بعد رحيل نابليون، تولى كليبر الحكم، واندلعت الثورة الثانية عام 1800م بقيادة عمر مكرم، جمع الشيخ الشرقاوي الأموال لشراء السلاح ودعم الثوار. وبعد اغتيال كليبر على يد الطالب الأزهري سليمان الحلبي، أغلق الأزهر لأول مرة في تاريخه، فسُجن هو وآخرون حتى جلاء الفرنسيين عام 1801م.
لكن الظلم لم ينتهِ مع رحيل الفرنسيين، فقد عاد الوالي العثماني خورشيد باشا، فثار الشعب، وخرج الشيخ الشرقاوي مع وفد العلماء يتقدم نحو أربعين ألف متظاهر، مطالبين بإلغاء الضرائب غير الشرعية وإخراج الجنود المسلحين من القاهرة، رفض خورشيد، فاتفق العلماء وعمر مكرم على عزله وتولية محمد علي، تردد محمد علي في البداية، لكن الشرقاوي أقنعه بأن ذلك إرادة الشعب، فلبس محمد علي خلعة الولاية.
لكن بعد أن ثبت محمد علي أقدامه، انقلب على من نصروه، فنفي عمر مكرم ووضع الشيخ الشرقاوي تحت الإقامة الجبرية ليبعد عن علماء الأزهر، ظل الشيخ صابرًا محتسبًا حتى وافته المنية في الثاني من شوال 1227 هـ (1812م) صلي عليه جمع غفير في الأزهر، ودُفن في مدفن بناه لنفسه بالقرافة وبعد وفاته، أصدر محمد علي فرمانًا بإقامة مولد سنوي له، تكريمًا لذكرى رجل وقف مع شعبه في أحلك الظروف وقاد ثوراته بحكمة وشجاعة وإيمان، ليصبح رمزًا خالدًا للعزة والكرامة المصرية.



