عادات و تقاليد

“المنقد والكعروب”.. طقوس الصعايدة لمواجهة برد الشتاء

أميرة جادو

يعتبر فصل الشتاء في الصعيد موسمًا خاصًا للقاء ولم الشمل بين الأهل والأقارب، حيث تتجسد ما يعرف بـ«اللمة الحلوة» حول وسيلة التدفئة التقليدية المسماة «المنقد».

نار الكعروب وشاي التدفئة

ومع حلول الليل، يجتمع الجميع طلبًا للدفء، يحتسون الشاي المعد على نار الكعروب وأخشاب التدفئة، وهو شاي يتميز بطعم فريد لا يعرفه إلا أبناء الصعيد.

وعلى الرغم من تسارع وتيرة التطور في مختلف جوانب الحياة، ما زال الصعايدة متمسكين بعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، لا سيما في ليالي الشتاء الباردة، إذ يحرصون على إقامة جلسات جماعية للتدفئة، يتغلبون خلالها على قسوة الطقس باستخدام القش والخشب والكعروب، إلى جانب «شوية شاي» تضفي دفئًا وبهجة على السهرة.

رحلة البحث عن الكعروب

مع بداية النهار، يبدأ الصغار والسيدات في البحث عن وسائل التدفئة، حيث يتوجه الأطفال إلى الأراضي الزراعية للتنقيب عن «الكعروب»، وهو الجزء المدفون في التربة والمتبقي من بوص الذرة أو القصب بعد حصاده أو كسره، ويتم جمعه أثناء تنظيف الأرض الزراعية عقب انتهاء الموسم.

ويتم استخدام الكعروب كوقود للتدفئة، أو كوسيلة لإشعال الفرن البلدي أثناء الخبيز، أو في الكانون المخصص لتسخين المياه أو طهي الطعام، ما يجعله عنصرًا أساسيًا في الحياة اليومية خلال فصل الشتاء.

دفء النار وطعم الشاي

كما يقوم الصغار بجمع الكعروب في جوالات، ثم يعودون به إلى المنازل، حيث يستخدم ليلًا في القرى للتدفئة، ومع إشعال النار فيه، يحضر الشاي أو بعض المأكولات البسيطة، ويجتمع أفراد الأسرة حوله في أجواء دافئة تعبر عن «اللمة الحلوة» التي تميز شتاء الصعيد.

ويعتبر الكعروب، إلى جانب الأخشاب والقش ومصاص القصب بعد تجفيفه تحت أشعة الشمس، من أهم وسائل التدفئة التي يعتمد عليها الأهالي في مواجهة برد الشتاء القارس، خاصة في القرى المختلفة بمناطق الصعيد.

المنقد.. قلب الجلسة

كما يتجمع الأهل والأقارب حول «المنقد» في مكان فسيح داخل المنزل، طلبًا للدفء، حيث يكون المنقد عبارة عن خشب أو مصاص أو كعروب مشتعلة فيه النيران.

وتوضع «كنكة» الشاي فوق الجمر، ليعد الشراب الساخن الذي يتقاسمه الجميع وهم يلتفون حول حلقة التدفئة.

ولا تقتصر هذه الجلسات على الدفء فقط، بل تتحول إلى مساحة لاسترجاع الذكريات الجميلة، وتبادل الأحاديث الودية، بل وأحيانًا لحل الخلافات العائلية، في أجواء تشبه الجلسات العرفية التي تسودها الألفة والحكمة وروح الترابط.

بهذه الطقوس البسيطة، يواجه أهل الصعيد قسوة الشتاء، محافظين على عاداتهم المتوارثة، حيث يبقى المنقد والكعروب والشاي أكثر من مجرد وسائل للتدفئة، بل رموزًا للدفء الإنساني والتلاحم الأسري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى