جامع علولة الحفري.. مسجد تحت الأرض يكشف أسرار التاريخ الإباضي في جبال بني خداش
جامع علولة الحفري، بين الصخور الصامتة لجبال بني خداش في الجنوب الشرقي التونسي، تبرز منارة قديمة من حجارة وطين، نصفها متهدم والنصف الآخر ما زال يقاوم عوادي الزمن، تحمل جدرانها نقوشًا باهتة تروي قصص حقب غابرة لم تستطع السنون محوها، هذه المنارة ليست مجرد أثر منسي، بل هي دليل على كنز أثري مدفون تحت الأرض، إنه جامع علولة الحفري، أحد أهم المعالم الإسلامية التي أضافت بعدًا جديدًا لتاريخ المنطقة الديني والحضاري.
هذا الجامع العجيب هو واحد من 159 معلمًا أثريًا تزخر بها منطقة بني خداش، إلا أن خصوصيته تكمن في كونه محفورًا تحت الأرض، وهو ما جعله طويلًا في طي النسيان حتى أدرجته منظمة الإيسيسكو مؤخرًا ضمن قائمتها النهائية للتراث الإسلامي، اعترافًا بقيمته التاريخية والمعمارية والدينية الفريدة.
جامع علولة الحفري تاريخ وبناء غامض
يعود تاريخ بناء جامع علولة إلى نحو 565 هجريًا (حوالي 1170 ميلاديًا)، بحسب ما ذكره كيلاني الذوادي، رئيس جمعية صيانة القصور والمحافظة على التراث ببني خداش، الذي أكد أن الجامع ظل مهجورًا سنوات طويلة قبل أن يعاد اكتشافه في أوائل الألفية الجديدة، وقد أدرج منذ عام 2004 ضمن القائمة المبدئية للمعالم التراثية الدينية في المنطقة.
منطقة بني خداش، التابعة لمحافظة مدنين جنوب تونس، تعد من أبرز المناطق الجبلية ذات الطابع التاريخي، إذ تمتد على مساحة تقارب 3586 هكتارًا ويقطنها نحو 29 ألف نسمة، وتمثل هذه الجبال سجلًا حيًا لفترات من النضال ضد الاستعمار الفرنسي، وتشتهر بمعالمها الحفرية والقصور الصحراوية المميزة.
جذور إباضية وأدوار علمية
يؤكد الذوادي أن جامع علولة الحفري يعود إلى الحقبة الإباضية، حين كان المذهب الإباضي منتشرًا في المنطقة من القرن الثالث إلى التاسع الهجري، ويشير إلى أن أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، العالم الإباضي المعروف ومؤلف كتاب الجوهرة المنتقاة، كان من العلماء الذين درسوا في هذا الجامع، ما يثبت أنه كان في زمنه جامعة علمية تحت الأرض يؤمها الطلبة من مختلف المناطق.
وقد بني الجامع تحت الأرض لأسباب متعددة؛ أبرزها صعوبة التضاريس الجبلية، والحرص على الأمان من الغزاة، إضافة إلى الجانب الديني، إذ كانت الجوامع الحفرية تنتشر في مناطق الإباضية في تونس والجزائر.
معمار مدهش ووظائف متعددة
يقع جامع علولة وسط هضبة مرتفعة بجبال دمر في بني خداش، وتصل طاقته الاستيعابية إلى ما بين 600 و800 مصلي، يتميز بعمارته الفريدة، حيث تقوم أقواسه الحجرية على 12 نقشًا وثلاثة زخارف قديمة تحمل رموزًا مثل أوراق الزيتون والسفن، فيما طمست عوامل الزمن نقوشًا أخرى.
وفي نهاية الجامع، تمتد أنفاق مظلمة يعتقد أنها كانت ممرات تؤدي إلى مساكن الطلبة التي تقع على بعد أمتار قليلة، إلا أن الدخول إليها اليوم محفوف بالمخاطر بسبب الانهيارات والانزلاقات المحتملة، وقد حاول بعض الشباب استكشافها لكنهم عادوا قبل منتصف الطريق خوفًا من الظلام والضيق.
لم يكن جامع علولة الحفري مسجدًا فحسب، بل كان مركزًا دينيًا وتعليميًا واجتماعيًا، إذ كانت تُدرّس فيه العلوم الشرعية والفقه الإباضي، ويجتمع فيه الناس لتبادل العلم ومناقشة القضايا العامة، ما جعله أحد أقدم الجامعات الإسلامية في جنوب تونس.
إهمال رغم القيمة
ورغم إدراج الجامع ضمن قائمة التراث الإسلامي للإيسيسكو، فإن معالمه ما زالت مهددة بالاندثار بسبب غياب الصيانة والترميم، فقد طالته أيادي البشر بالنبش والعبث، كما أن العوامل الطبيعية تواصل نحت جدرانه الحجرية في صمت.
ويطالب المهتمون بالتراث بضرورة التدخل العاجل لترميم الجامع وصونه، وتحويله إلى متحف حي يعكس الهوية الدينية والحضارية لبني خداش، حفاظًا على ذاكرة المكان الذي جمع بين العبادة والعلم والمقاومة في آن واحد.



