عادات الضيافة في مطروح وسيناء القهوة السادة لغة الكرم والصلح
كتبت شيماء طه
في قلب الصحراء، حيث يمتد الأفق بلا حدود، لا تُقاس الكرامة بالمال أو الجاه، بل بـ فنجان قهوة يُقدَّم للضيف بكرم ووقار.
في مطروح وسيناء، الضيافة ليست مجرد عادة، بل شريعة قبلية تُعبّر عن النُبل والهيبة، و”القهوة السادة” فيها ليست مشروبًا فحسب، بل رمزًا للشرف، ورسالة سلام أو حرب، تُفهم دون كلام.
منذ قرون، عُرفت القبائل البدوية في مطروح وسيناء بكرمها الفطري، فالضيف عندهم “أمانة الله”، يدخل الخيمة مكرّمًا، يُطعَم قبل أن يُسأل عن غرضه، ويُقدَّم له الماء ثم القهوة السادة.
القهوة هنا هي لغة الضيافة الأولى، ولها طقوس دقيقة لا يُستهان بها. فحين يُستقبل الضيف، يُشعل المضيف النار في “المحماسة” لتحميص البن، ثم يُطحن في “الهاون” ببطء حتى تُصدر المطرقة صوتًا مميزًا يسمعه الجيران فيعلمون أن في الدار ضيفًا عزيزًا.
وللقهوة في هذه المناطق ثلاث مراحل: الكيف، والضيف، والهيف.
فنجان الكيف يُشرب للاستمتاع بطعم القهوة،
وفنجان الضيف يُقدَّم للترحيب بالزائر،
أما فنجان الهيف فهو للمناسبات الكبرى، مثل الصلح بين القبائل أو إعلان الهدنة بعد خلاف طويل.
القهوة السادة في مطروح وسيناء تُقدَّم دون سكر، لأن مرارتها تحمل معنى القوة والصدق، كما يقول البدو: “اللي يشرب القهوة السادة، يشربها بوجهٍ راضي.”
وهي تُقدَّم دائمًا باليد اليمنى، في فنجان صغير يُملأ إلى ثلثه فقط، احترامًا للتقاليد. ولا يُسكب الفنجان مرة أخرى إلا إن هزّه الضيف علامة الاكتفاء، وإلا استمر المضيف في صبه كدليل على الكرم.
لكن القهوة ليست دائمًا مجرد ضيافة. فهي أيضًا رمزٌ للصلح والعهد. ففي حال النزاع بين قبيلتين، يُرسل أحد الشيوخ “فنجان الصلح” إلى الطرف الآخر، فإن قُبِل وشُرب، انتهى الخلاف، وعادت المودة. وإن رُدَّ، كان ذلك رفضًا للعفو واستمرارًا للخصومة. لذلك، كان يُقال قديمًا:
> “فنجان القهوة حكمٌ لا يُرد، وسلامٌ لا يُكسر.”
وفي بعض مناطق مطروح، تُقام “جلسة القهوة” كطقس قبلي رسمي، يجلس فيها الشيوخ حول النار، ويُقدَّم الفنجان بالتتابع من الأكبر سنًا إلى الأصغر. والكلمة لا تُقال إلا بعد أول رشفة. لأن في هذا المجلس، الصمت احترام، والكلمة عهد.
أما في سيناء، فقد ارتبطت القهوة أيضًا بالأنساب والشرف. فالمضيف لا يسكب القهوة بيده إلا إذا كان بيته أهلًا للكرم، ومن يُتقن صناعتها يُعدّ رجلًا ذا مكانة.
وفي بعض القبائل، كانت الفتيات الصغيرات يتعلمن منذ الصغر كيف تُحمّص البن وكيف يُغلى على “الهبوب”، لأن القهوة عنوان سمعة البيت.
ومع مرور الزمن، ظلت هذه العادات راسخة رغم تغير شكل الحياة. فما زال البدوي في مطروح أو سيناء لا يبدأ حديثًا جادًا أو جلسة مصالحة دون أن “يصب القهوة”.
حتى اليوم، تُقدَّم القهوة السادة في المناسبات الرسمية واللقاءات الكبرى، كرمز متجذر للسلام والكرامة.
ورغم أن المدن حولهم تغيّرت، بقيت القهوة البدوية صوت الصحراء، تُذكّر الناس بأن الكرم أصلٌ لا يُمحى، وأن الضيافة في هذه الأراضي ليست ترفًا اجتماعيًا، بل واجبًا وشرفًا يُمارس بحب وإيمان.
فحين يمد البدوي يده بفنجان القهوة السادة، فهو لا يقدّم مشروبًا، بل يقدّم نفسه، وسلامه، ووعده.ومن يفهم هذه اللغة الصامتة، يعرف أن كل رشفةٍ منها تحمل معنى الوفاء، وكل دقة هاونٍ تروي حكاية كرمٍ لا يموت.



