تاريخ ومزارات

مدينة تيمقاد.. روما إفريقيا التي ما زالت تنطق بالحضارة

أسماء صبحي– تعد مدينة تيمقاد الواقعة على سفوح جبال الأوراس بولاية باتنة شرق الجزائر واحدة من أبرز المدن الأثرية الرومانية في العالم. وصرحًا تاريخيًا يجسد قوة الإمبراطورية الرومانية وعمق حضورها في شمال إفريقيا قبل نحو ألفي عام. وهذه المدينة القديمة ليست مجرد أطلال صامتة، بل كتاب مفتوح على التاريخ. تروي كل حجرة فيه قصة حضارة تركت بصمتها المعمارية والثقافية والسياسية على المنطقة.

مدينة تيمقاد

شيدت تيمقاد في القرن الأول الميلادي بأمر من الإمبراطور الروماني تراجان. وكانت مدينة نموذجية للجنود المتقاعدين مصممة وفق مخطط هندسي دقيق على شكل شبكة مربعة جعلها مثالًا يُدرَّس حتى اليوم في علم تخطيط المدن.

عند دخول المدينة، يشعر الزائر بأنه يعود قرونًا للوراء؛ فالأعمدة الرخامية ما زالت شامخة والبوابات لا تزال تحرس المكان. وملامح الشوارع مرسومة كما تركها الرومان، وكأن الزمن مر من هنا باحترام وحذر.

مسرح تيمقاد

يعتبر المسرح الروماني في تيمقاد من أجمل وأكبر المسارح الأثرية في إفريقيا. وما زال يحتفظ بـ 25 صفًا من المقاعد الحجرية يمكنها استقبال آلاف المشاهدين، وقد استخدم في العصور القديمة للعروض الموسيقية والمسرحية.

هذا المسرح اليوم يستعيد روحه عبر المهرجانات الثقافية التي تقام فيه، مما يجعل الزائر يعيش مزيجًا بين الماضي والحاضر في مكان واحد. حيث تتردد الألحان فوق حجارةٍ صامتة لكنها مليئة بالحياة.

قوس النصر

من أبرز معالم المدينة قوس تراجان، أحد أروع الأقواس الرومانية في العالم. ويشكل هذا القوس مدخلًا مهيبًا يعكس قوة روما ومكانتها في ذلك الوقت.

وعلى الرغم من مرور آلاف السنين، ما زالت تفاصيل النقوش والكتابات واضحة. لتظهر عبقرية المهندسين الرومان ودقة أعمالهم، ولتحكي قصة مدينة بُنيت لتتحدى الزمن.

الحياة اليومية في تيمقاد القديمة

تكشف آثار المدينة الكثير عن نمط حياة سكانها؛ فمن حماماتها العامة الواسعة إلى مكتبتها الشهيرة التي تعد من أوائل المكتبات الرومانية في إفريقيا. مرورًا بالمنازل المزينة بالفسيفساء الملونة يبدو أن سكان تيمقاد عاشوا حياة منظمة ومرفهة.

الشوارع مرصوفة بالحجارة، ومجهزة بقنوات صرف صحي، في دليل على التقدم العمراني الذي وصل إليه الرومان قبل قرون طويلة من التطور الحديث.

كما تعكس المعابد المنتشرة في المدينة تعدد الآلهة التي كان سكانها يعبدونها. بينما تكشف النقوش اللاتينية عن نظام اجتماعي صارم وتقاليد كانت تسيّر حياة المجتمع.

تيمقاد اليوم

تحولت تيمقاد إلى واحدة من أبرز الوجهات السياحية في الجزائر، إذ يقصدها الباحثون وعشاق الآثار من مختلف أنحاء العالم. فالمدينة ليست مجرد مكان للتنزه، بل فضاء بحثي متكامل. يعمل فيه علماء آثار باستمرار على دراسة طبقاتها القديمة واكتشاف المزيد من أسرارها المدفونة تحت التراب.

الفعاليات الثقافية التي تقام فيها، مثل المهرجان الدولي لتيمقاد، تعطي للمدينة روحًا جديدة. فتجتمع الموسيقى الحديثة مع حجارة عمرها آلاف السنين في مشهد لا يتكرر كثيرًا في العالم.

ويقول الباحث في التاريخ القديم الدكتور يوسف حداد، إن مدينة تيمقاد ليست مجرد مدينة رومانية، بل هي أعجوبة هندسية وروح حضارية متكاملة. مما يميزها هو أنها لا تزال محافظة على تخطيطها الأول بشكل يكاد يكون كاملًا. وهو ما يجعلها مرجعًا عالميًا لدراسة المدن القديمة. وتشبه زيارة تيمقاد السير داخل كتاب تاريخ مفتوح، حيث كل زاوية تروي فصلًا من قصة الإنسان والحضارة.

ويضيف الدكتور حداد أن المدينة تحمل قيمة كبيرة بالنسبة للجزائر، ليس فقط باعتبارها إرثًا عالميًا. بل لأنها شاهد حي على التنوع التاريخي الذي مرّ بالمنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى