الصقارة في السعودية.. تراث يتوارثه الأجيال ويحلق في سماء العالمية

تعد الصقارة أو ما يعرف بالبيزرة في السعودية من الحرف التقليدية العريقة، حيث تعنى بتربية الصقور وتدريبها على فنون القنص والصيد، وهي ممارسة تتطلب قدراً كبيراً من الصبر وتجنب التسرع، وتمتد فترة التدريب في العادة من ثلاثين إلى أربعين يوماً.
وتتركز ممارسة الصقارة على امتداد ممرات ومسارات الطيور المهاجرة، ويزاولها أفراد من مختلف الأعمار، رجالاً ونساءً، سواء كانوا من الهواة أو من المحترفين.
أهمية الصقارة
تعتبر الصقارة في المملكة رمزاً وطنياً متجذراً وتقاليداً تاريخية ذات طابع ثقافي عربي أصيل، كما تمثل هواية وهوية يعتز بها السعوديون.
وقد بلغ الشغف بها حد أن بعض العائلات قامت بتسمية أبنائها بأسماء الصقور إعجاباً بها وبما تتميز به من شجاعة وقوة.
ويسهم الموقع الجغرافي المميز للسعودية، الذي يشغل قرابة ثلثي مساحة شبه الجزيرة العربية، وموقعها كنقطة التقاء بين ثلاث قارات، في إثرائها بمكونات بيئية فريدة اجتذبت أنواعاً متعددة من الكائنات الحية البرية والبحرية والطيور.
وتشير المكتشفات الأثرية إلى وجود آثار للصقور تعود لحضارات عريقة يعود عمرها إلى أكثر من 9000 عام قبل الميلاد، وتحديداً في المنطقة الممتدة بين محافظة تثليث في منطقة عسير ومحافظة وادي الدواسر جنوب مدينة الرياض، والتي تضم رموزاً تمثل الفروسية والصيد بالصقور والكلاب السلوقية.
الصقور المستخدمة في الصقارة
كما تتنوع أشكال وألوان الصقور المستخدمة في الصقارة، ويتفق هواة هذا الفن في السعودية على تفضيل ثلاثة أنواع رئيسية، يأتي في مقدمتها الصقر “الحر”، الذي كان معروفاً عند العرب منذ القدم، ويعد من أفضل الأنواع لما يتميز به من صبر وقوة تحمل للجوع ومقاومة للأمراض، فضلاً عن جمال مظهره، كما يتميز الصقر الحر بقدرة انطلاق عالية تعرف بـ”الطلعة”، تبلغ سرعتها نحو 300 كم/ساعة، أما النوعان الآخران فهما “شاهين البحر” و”شاهين الجبل”.
ويستورد الصقارون السعوديون أنواعاً متعددة من الصقور، أبرزها الصقر الحر والشاهين، إلى جانب الطيور النادرة والنقية من كل نوع. وعلى الرغم من وجود أنواع أسرع من الصقر الحر، فإن تميزه بصبره وقوة تحمله يجعله المفضل لدى كثير من الصقارين.
وتفرّخ الصقور بمختلف أنواعها مثل: الشاهين، والحر، والوكري، والجير، مرة واحدة سنوياً، وتضع ما بين اثنين إلى خمسة فراخ في كل مرة، وقد أطلق عليها العرب تسميات خاصة، مثل “النادر” وهو الأكبر والأقوى، و”الوسط” وهو أصغر حجماً منه، و”المحقور” الذي يعد الأضعف والأصغر حجماً. وتحتضن الأم صغارها في العش، المعروف بـ”الماكر”، لمدة تقارب 32 يوماً.
الصقور المملوكة للصيادين في السعودية
تبلغ أعداد الصقور التي يمتلكها الصيادون في السعودية بنحو 16 ألف صقر، فيما يبلغ عدد الصقارين قرابة 20 ألف شخص، ويصنف الصقر ضمن فئة الطيور الجارحة، إلى جانب العقاب والباز، وكان العرب هم أول من درب الصقور واستخدمها في الصيد.
وتتمتع الصقور بقدرات فريدة تميزها عن بقية الطيور الجارحة، مثل عينيها السوداوين، وسرعتها الهائلة التي تبلغ 300 كم/ساعة عند انقضاضها على الفريسة، فضلاً عن حدة بصرها التي تفوق بصر الإنسان من أربع إلى ثماني مرات، ويمكن أن يبلغ عمر الصقر نحو 25 عاماً في حال تربيته لدى صقار، في حين لا يتجاوز متوسط عمره في البرية خمسة عشر عاماً.
هجرة الصقور
والجدير بالإشارة أن المملكة العربية السعودية تعتبر ممراً رئيسياً للعديد من الطيور المهاجرة، بما في ذلك الصقور، التي تنتقل سنوياً من مناطق التعشيش في أقصى شمال روسيا (سيبيريا) إلى المناطق الدافئة في إفريقيا، قاطعة نحو 8000 كيلومتر.
وتشهد أجواء المملكة مرور نحو 1.5 مليون طائر مهاجر خلال شهر أكتوبر من كل عام، من بينها صقور الشاهين البحري والصقر الحر، إلى جانب أنواع مستوطنة مثل شاهين الجبل والوكري.
وفي إطار جهودها لحماية الحياة الفطرية، تمنع السعودية صيد بعض أنواع الصقور مثل الصقر الحر، والشاهين الجبلي، والصقر الوكري، وذلك من أجل استعادة التوازن الطبيعي والحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض.
تنظيم الصقارة في السعودية
نظراً لارتباط الصقارة بتاريخ وتراث المملكة وثقافتها، صدر أمر ملكي بتأسيس أول نادٍ سعودي يعنى بهذه الحرفة، وهو “نادي الصقور السعودي”، في عام 1438هـ/2017م، تحت إشراف مباشر من ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود.
ويهدف النادي إلى توحيد جهود الصقارين ضمن كيان واحد، ورعاية الصقور، ودعم الأنشطة المتعلقة بها.
وقد انضمت السعودية إلى عدد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الصقور والطيور المهاجرة من الانقراض، من أبرزها اتفاقية “سايتس” الخاصة بالاتجار الدولي في أنواع الحيوانات والنباتات البرية المعرضة للانقراض، والتي أصبحت المملكة جزءاً منها عام 1417هـ/1996م.
تسجيل الصقارة في اليونسكو
وفي يوم 10 ذو الحجة 1431هـ الموافق 16 نوفمبر 2010م، اعتمدت اللجنة الحكومية الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي غير المادي تسجيل “الصقارة” كتراث عالمي غير مادي ضمن قائمة منظمة اليونسكو، وذلك بناءً على اقتراح تقدمت به مجموعة من الدول الأعضاء، كان من بينها المملكة العربية السعودية.
والجدير بالذكر أن نادي الصقور السعودي ينظم سلسلة من الفعاليات الخاصة بالصقارة على مدار العام، من أبرزها: مهرجان الملك عبدالعزيز الدولي للصقور، والمزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور (IFBA)، ومعرض الصقور والصيد السعودي الدولي، وسباق “الملواح”، بالإضافة إلى مزاد نادي الصقور السعودي، الذي يعد منصة مهمة لمحبي هذا التراث.



