من عكا إلى مصر.. لماذا فشلت الحملة الصليبية الخامسة في تحقيق أهدافها؟

مرت أمس ذكرى مغادرة الحملة الصليبية الخامسة من مدينة عكا متجهة إلى مصر، في 24 مايو عام 1218م، في محاولة لاستعادة السيطرة على القدس وسائر الأراضي المقدسة، عبر السيطرة أولاً على الدولة الأيوبية التي كانت تمثل حينها القوة الإسلامية الكبرى في المنطقة، غير أن هذه الحملة لم تحقق أهدافها الأساسية، إذ أخفقت في استعادة القدس أو أي جزء آخر من الأراضي المقدسة، وذلك بسبب عدة أسباب متنوعة.
ووفقًا لما ورد في كتاب “الحملات الصليبية” للمؤرخ علي محمد محمد الصلابي، فقد تعددت العوامل التي تسببت في فشل الحملة، منها ما يعود إلى المسلمين، ومنها ما يتعلق بأخطاء الصليبيين أنفسهم، إضافة إلى أسباب ترتبط بالموقف الأوروبي العام.
أخطاء داخلية مدمرة
ويمكن رصد جملة من الأخطاء الجوهرية التي أسهمت في تعثر الحملة، لعل أبرزها:
سوء إدارة رجال الدين للحملة، حيث اتسم أداؤهم بالغرور والاعتداد بالنفس، وفي مقدمتهم المندوب البابوي بيلاجيوس، الذي وصفته المصادر التاريخية بأنه كان مغرورًا، عديم الحيلة، وغير مؤهل للقيادة.
وفبيلاجيوس، رغم كونه رجل دين، تصرف كقائد عسكري ميداني، ورفض إشراك ذوي الخبرة العسكرية في اتخاذ القرار، ما أضعف التخطيط والتنفيذ.
تفجر الخلافات الداخلية بين قادة الحملة، وخاصة بين بيلاجيوس ويوحنا بريين، الذي هدد أكثر من مرة بترك الحملة، وقد أدّى هذا التناحر إلى ضياع فرصة ثمينة حين عرض السلطان الكامل محمد شروطًا سخية، مقابل انسحاب الصليبيين من دمياط، وهذا التنافس على القيادة كشف طموحات الطرفين الشخصية، وكان له أثر بالغ السوء على مصير الحملة.
جهل بالأرض وخطأ في التوقيت
جهل الصليبيين بالطبيعة الجغرافية لمصر، واختيارهم طريقًا خاطئًا للزحف نحو القاهرة بمحاذاة الفرع الشرقي لنهر النيل، رغم علمهم بمواعيد ارتفاع منسوب المياه، تسبب في تعطيل تقدمهم، حيث واجهوا العديد من القنوات والنزع التي شكلت كمائن طبيعية عرقلت تحرك الجيش وأضعفته.
الإخفاق في استغلال عامل الوقت كان من بين العوامل الحاسمة، فلو أن الصليبيين شنوا هجومهم عندما كانت القوات الإسلامية متمركزة في فارسكور، لربما تغيرت نتائج المعركة. هذا التراخي أدى إلى مقتل مئات الجنود من صفوفهم.
انقسامات داخلية وخلافات غنائم
اندلاع الصراعات بين الجنود الصليبيين أنفسهم على تقسيم الغنائم أفضى إلى صدامات مسلحة، ما أضعف التماسك العسكري للحملة.
تجاهل لويس دوق بافاريا لتعليمات الإمبراطور فريدريك الثاني بعدم تنفيذ أي عمليات كبرى قبل وصوله، أدى إلى تفكك التنسيق وغياب الرؤية الموحدة.
والجدير بالذكر أنه بالرغم من طموحات الصليبيين الواسعة، فإن الحملة الصليبية الخامسة لم تنجح في تحقيق أي من أهدافها المعلنة، بل كشفت عن سلسلة من الإخفاقات التكتيكية والانقسامات الداخلية، التي حوّلتها من مشروع عسكري ضخم إلى إخفاق استراتيجي طويل الأثر.



