كتابنا

علاء عبدالله يكتب: حين تتحول الشعائر إلى غاية وتغيب مقاصد الدين.. قراءة في فكر الشرفاء الحمادي

يعيد المقال الذي كتبه مجدي طنطاوي حول رؤية المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي طرح واحد من أكثر الأسئلة حساسية داخل المجال الديني والفكري: هل ما زال ترتيب أولوياتنا الدينية يعكس ما جاء به القرآن الكريم أم أننا انشغلنا بالشكل وابتعدنا عن الجوهر؟

لا تقوم الفكرة المركزية التي يتوقف عندها الشرفاء الحمادي على التقليل من شأن العبادات أو الانتقاص من مكانة الشعائر، وإنما على محاولة إعادة وضع كل شيء في موضعه الصحيح، فالصيام والصلاة والحج والزكاة فرائض ثابتة، لكن قيم العدل والرحمة وحفظ الحقوق والصدق والأمانة ليست قضايا فرعية يمكن تجاوزها، بل هي جزء من البناء الذي يقوم عليه الدين نفسه.

وتبدو الأسئلة التي يطرحها المقال صادمة للبعض لكنها تحمل بعدًا نقديًا واضحًا: لماذا يتحول الإفطار في رمضان إلى قضية عامة بينما تمر مظالم اجتماعية أو حالات فساد أو اعتداء على حقوق الناس دون القدر نفسه من الاستنكار؟ ولماذا أصبح الحكم على المظاهر أسهل من مساءلة السلوك؟.

وهنا يقدم الشرفاء الحمادي قراءته التي تنطلق من أن القرآن لم يجعل التدين حالة شكلية، بل مشروعًا متكاملًا لإصلاح الإنسان، فالعبادات – وفق هذا التصور – ليست غايات مستقلة وإنما وسائل لصناعة إنسان أكثر وعيًا وعدلًا وتقوى، فالصيام يقود إلى التقوى، الحج إلى الانضباط والتجرد، الزكاة إلى التكافل، والصلاة إلى تهذيب السلوك وربط الإنسان بمنظومة أخلاقية متكاملة.

وفي هذا السياق يلفت المقال الانتباه إلى قضية يراها الشرفاء الحمادي جوهر الأزمة الفكرية المعاصرة وهي اختلال سلم الأولويات داخل الوعي الديني؛ حيث جرى تضخيم بعض المسائل الجزئية مقابل تراجع الاهتمام بالمقاصد الكبرى التي تتعلق بحماية الإنسان وإقامة العدل وصون الكرامة الإنسانية.

وما يميز هذه القراءة أنها لا تدخل في مواجهة مع الدين بقدر ما تدعو إلى العودة إلى النص القرآني باعتباره مرجعية عليا لفهم الغاية من التشريع، وهي دعوة تقوم على أن الإيمان لا يُقاس فقط بكثرة الممارسات التعبدية، وإنما أيضًا بمدى انعكاس هذه الممارسات على أخلاق الإنسان وسلوكه اليومي وعلاقته بالآخرين.

كما يطرح المقال فكرة مهمة تتعلق بالفصل غير المعلن الذي حدث لدى بعض المجتمعات بين التدين والمعاملة؛ فأصبح من الممكن – كما يشير الكاتب – أن يجتمع الالتزام بالشعائر مع ممارسات تناقض قيم العدالة أو الأمانة أو الرحمة، وهو ما يثير سؤالًا عميقًا حول مدى تحقق المقصد الحقيقي للعبادة.

وفي تقديري، فإن جوهر رسالة الشرفاء الحمادي لا يتمثل في تقديم بديل للشعائر بل في استعادة التوازن بينها وبين مقاصدها، فالمجتمعات لا تبنى بكثرة الشعارات وحدها، وإنما تبنى حين يتحول الإيمان إلى سلوك، والعبادة إلى أثر، والدين إلى قوة تدفع نحو الإصلاح لا مجرد مساحة للجدل أو إصدار الأحكام.

وفي النهاية، تبدو الرسالة الأساسية في هذا الطرح واضحة، أن الإنسان لا يقاس فقط بما يؤديه من طقوس وإنما بما يحققه من عدل وما يقدمه من خير وما يتركه من أثر في حياة الآخرين، وهنا يصبح السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا دائمًا: هل جعلتنا عباداتنا أكثر إنصافًا ورحمة وصدقًا أم اكتفينا بممارسة الشكل وتركنا المعنى؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى