ستة رجال وصندوق خشبي.. ملحمة بورسعيد التي كسرت شوكة الإمبراطورية البريطانية
أسماء صبحي – خريف عام 1956، اشتعلت مصر على وقع نيران العدوان الثلاثي. حين اجتاحت الدبابات الإسرائيلية شبه جزيرة سيناء وتبعتها قوات بريطانية وفرنسية نزلت على شواطئ بورسعيد بهدف السيطرة على قناة السويس وإخضاع الإرادة المصرية. لكن ما لم يكن في حسبان المعتدين أن المدينة الصغيرة ستتحول إلى رمز عالمي للمقاومة الشعبية. وأن شوارعها الضيقة ستصبح ساحة هزيمة سياسية وعسكرية لقوى عظمى.
رفضت بورسعيد الاستسلام، وتحول أهلها رجالًا ونساءً، إلى مقاتلين يدافعون عن بيوتهم بكل ما امتلكوا من إمكانات بسيطة. بنادق صيد قديمة، وزجاجات مولوتوف، وإرادة لا تعرف الخوف، كانت كافية لتحويل المدينة إلى متاهة من الكمائن وفخاخ الموت لقوات الاحتلال.
الاعتقالات والانتقام البريطاني
مارست القوات البريطانية سياسة البطش الجماعي، فاعتقلت عشرات الشباب يوميًا واقتادتهم مكبلين إلى معسكرات الاعتقال. كما لم تتردد في هدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها لإرهاب السكان وكسر روح المقاومة. وسط هذا القمع، بدأت تتشكل داخل المدينة أفكار أكثر جرأة للرد على الاحتلال لا تعتمد فقط على المواجهة المباشرة، بل على توجيه ضربات نوعية موجعة.
ستة شبان يقررون قلب المعادلة
في قلب هذه الأجواء، قرر ستة شبان من بورسعيد تنفيذ عملية جريئة غير مسبوقة. أسر ضابط بريطاني رفيع المستوى واستخدامه كورقة ضغط لإجبار الاحتلال على الإفراج عن المعتقلين المصريين.
قاد المجموعة الشاب محمد حمد الله، الذي تخلى عن حلمه بالدراسة في الكلية البحرية وعاد مسرعًا إلى مدينته فور سماعه نداء الوطن. وشاركه في العملية كل من:
- حسين عثمان.
- طاهر مسعد.
- أحمد هلال.
- أحمد سليمان.
- علي زنجيرد.
ستة أسماء تحولت لاحقًا إلى أيقونة خالدة في تاريخ المقاومة الشعبية.
ليلة 11 ديسمبر
في ليلة 11 ديسمبر 1956 الباردة، جابت المجموعة شوارع بورسعيد في سيارة قديمة تترصد هدفًا ثمينًا. وفجأة، ظهر أمامهم الملازم البريطاني أنطوني مورهاوس المعروف بوحشيته، وهو يطارد طفلًا مصريًا في أحد الأزقة المظلمة.
تحرك الشبان بسرعة وحسم. ارتدوا معاطف طويلة وتظاهروا بأنهم من رجال الأمن المصري واقتربوا من الضابط قائلين بهدوء: “سيب الواد يا حضرة الضابط… إحنا هنتولاه”.
لم يشك مورهاوس في الأمر. وفي لحظة خاطفة.جرد من سلاحه ودفع بقوة إلى صندوق السيارة الخلفي. حاول المقاومة لكن لكمة قوية من علي زنجير أفقدته الوعي لتنطلق السيارة مسرعة وتختفي في شوارع المدينة.
صندوق مورهاوس
نقل الضابط البريطاني إلى منزل آمن في شارع أحمد عرابي، حيث وضع داخل صندوق خشبي كبير أغلق بإحكام مع تشديد الحراسة عليه. وكان المخطط واضحًا: “إبقاؤه حيًا لاستخدامه كورقة تفاوض قوية”.
لكن التطورات جاءت عكس المتوقع. استنفرت القوات البريطانية بكامل طاقتها.وفرض الجنرال هيو ستوكويل حظر تجوال شامل. وداهمت القوات كل بيت واعتقلت كل شاب تجاوز الخامسة عشرة. ولأربعة أيام كاملة عجز المقاومون عن الوصول إلى المنزل لإطعام الأسير أو إعطائه الماء. وعندما تمكنوا أخيرًا من فتح الصندوق كانت الصدمة قاسية “أنطوني مورهاوس فارق الحياة اختناقًا”.
انسحاب مهين وفضيحة سياسية في لندن
واصلت القوات البريطانية البحث عن ضابطها المفقود حتى اللحظات الأخيرة من وجودها في بورسعيد. وفي 23 ديسمبر 1956، انسحبت القوات مهزومة دون أن تعرف مصيره. وبعد أسابيع، وفي يناير 1957، سلمت مصر جثمان مورهاوس رسميًا عبر الأمم المتحدة.
في لندن، تحولت القضية إلى فضيحة مدوية هزت الرأي العام البريطاني وأضعفت حكومة رئيس الوزراء أنطوني إيدن. لتتصاعد الضغوط السياسية والشعبية عليه وينتهي الأمر باستقالته المذلة في يناير 1957.
ملحمة خالدة في ذاكرة بورسعيد
في بورسعيد، لم تكن القصة مجرد حادثة، بل تحولت إلى ملحمة شعبية تروى وتغنى. في ليالي السمسمية بالمقاهي، كان الأهالي يرددون: “يا مورهاوس يا اللي في الصندوق، روحك راحت… والبلد ما راحت”.
وكان الرئيس جمال عبد الناصر يحرص في كل عيد نصر على زيارة المدينة الباسلة..ومصافحة محمد حمد الله ورفاقه الأحياء ووضع أكاليل الزهور على أرواح شهداء المقاومة.
صندوق صغير يهزم إمبراطورية
صندوق خشبي صغير في أحد بيوت شارع أحمد عرابي، لم يكن مجرد أداة احتجاز، بل أصبح رمزًا لانكسار الاحتلال ودليلًا على أن إرادة الشعوب قادرة على إذلال أقوى الإمبراطوريات. هكذا كتبت بورسعيد، بدم وكرامة، واحدة من أنصع صفحات التاريخ المصري الحديث. لتظل شاهدة على أن المقاومة الشعبية قد تصنع ما تعجز عنه الجيوش.



