طلعت حرب.. الرجل الذي أيقظ الاقتصاد المصري من قبضة الاحتلال
في أزقة حي الجمالية العتيقة، وعلى مقربة من رحاب مسجد الحسين، ولد في الخامس والعشرين من نوفمبر عام 1867 طفل سيغير وجه الاقتصاد المصري إلى الأبد، كان اسمه طلعت حرب، الرجل الذي لم يحمل سلاحا في مواجهة الاحتلال البريطاني، لكنه خاض أخطر معارك الاستقلال عبر المال والصناعة والبنوك.
لم يكن مجرد مصرفي أو رجل أعمال، بل صاحب مشروع وطني متكامل آمن بأن حرية الأوطان تبدأ من استقلالها الاقتصادي، وأن الأمة التي لا تملك اقتصادها لا تملك قرارها.
النشأة في الجمالية وبدايات التكوين
ولد محمد طلعت حسن حرب لأسرة متواضعة تعود أصولها إلى الحجاز، واستقرت لاحقا في قرية ميت أبو علي بمحافظة الشرقية، وكان والده موظفا بسيطا في مصلحة السكك الحديدية.
نشأ الطفل في بيئة شعبية قريبة من قلب القاهرة القديمة، فحفظ القرآن الكريم مبكرا، ثم التحق بمدرسة التوفيقية، حيث ظهرت ملامح نبوغه المبكر، وبعدها انتقل إلى مدرسة الحقوق الخديوية، ليتخرج عام 1889 من أوائل دفعته.
لكن تعليمه الحقيقي لم يتوقف داخل قاعات الدراسة، فقد كان شغوفا بالقراءة والاطلاع، يقرأ في الاقتصاد والتاريخ والأدب، وأتقن اللغة الفرنسية حتى تحدثها بطلاقة.
من موظف بسيط إلى صاحب مشروع وطني
بدأ طلعت حرب حياته العملية مترجما في قلم قضايا الدائرة السنية، المسؤولة عن إدارة أملاك الخديوي، ثم صعد بسرعة بفضل كفاءته حتى تولى إدارة قلم القضايا خلفا للزعيم الوطني محمد فريد.
لاحقا انتقل إلى إدارة الشركات الخاصة، فتولى إدارة شركة كوم أمبو لاستصلاح الأراضي، ثم الشركة العقارية المصرية، وهناك بدأ يطبق فكرته الكبرى التي ستصبح محور حياته:
تمصير الاقتصاد المصري.
في ذلك الوقت كانت البنوك والشركات الكبرى خاضعة لهيمنة الأجانب، بينما بقي المصريون مجرد عمال أو موظفين في اقتصاد بلدهم، أدرك طلعت حرب أن الاستقلال السياسي بلا استقلال اقتصادي مجرد وهم، وأن تحرير الوطن يبدأ من تحرير المال والصناعة.
كتاب علاج مصر الاقتصادي
في عام 1911 أصدر طلعت حرب كتابه الشهير علاج مصر الاقتصادي ومشروع بنك المصريين أو بنك الأمة، والذي يعد من أهم الكتب الاقتصادية الوطنية في تاريخ مصر الحديث.
لم يكن الكتاب دراسة نظرية فقط، بل خطة عملية لإنشاء بنك وطني خالص يموله المصريون ويخدم مصالحهم، بعيدا عن سيطرة البنوك الأجنبية.
وقد شكل الكتاب بداية معركة حقيقية ضد الهيمنة الاقتصادية البريطانية على مصر.
ثورة 1919 وبداية الحلم الكبير
مع اندلاع ثورة 1919، تصاعدت الروح الوطنية في الشارع المصري، فوجد طلعت حرب اللحظة المناسبة لتحقيق حلمه التاريخي.
وفي السابع من مايو عام 1920، أعلن تأسيس بنك مصر وسط احتفال ضخم في دار الأوبرا الملكية بالقاهرة.
كان ذلك الحدث نقطة تحول تاريخية، إذ أصبح لأول مرة في مصر بنك:
- يملكه مصريون
- يديره مصريون
- يتعامل باللغة العربية
- يقتصر الاكتتاب فيه على أبناء الوطن
ولم يكن البنك مجرد مؤسسة مالية، بل مشروع استقلال اقتصادي كامل.
إمبراطورية مصر الصناعية
لم يكتف طلعت حرب بإنشاء بنك فقط، بل أراد بناء اقتصاد وطني متكامل، فبدأ في تأسيس سلسلة ضخمة من الشركات الوطنية التي حملت اسم مصر.
ومن أبرزها:
- شركة مصر للغزل والنسيج في المحلة الكبرى
- استوديو مصر الذي وضع أسس السينما المصرية الحديثة
- مصر للطيران التي تأسست عام 1932 كأول شركة طيران في الشرق الأوسط
- شركات التأمين والملاحة والسياحة والطباعة والزيوت والأسمنت والمناجم
وخلال سنوات قليلة بدا وكأنه يبني دولة اقتصادية متكاملة داخل مصر.
إيمانه بالشباب والمنتج الوطني
كان طلعت حرب يؤمن أن النهضة لا تقوم إلا بأبناء الوطن، لذلك منح الشباب فرصا حقيقية في الإدارة والعمل، وشجع الادخار بين الطبقات البسيطة.
حتى أطفال المدارس كان لهم نصيب من مشروعه، إذ وزع عليهم حصالات صغيرة ليغرس فيهم ثقافة الادخار والإنتاج.
وكان شعاره الأشهر:
اشتروا المنتج الوطني.
فتحولت عبارته إلى دعوة شعبية انتشرت في البيوت والأسواق المصرية.
الحرب العالمية الثانية وسقوط الرجل
مع اقتراب الحرب العالمية الثانية تعرض بنك مصر لضغوط اقتصادية وسياسية هائلة، وظهرت محاولات لإضعاف المشروع الوطني.
وعندما طلب طلعت حرب من الحكومة التدخل لإنقاذ البنك، كان الثمن المطلوب هو استقالته من رئاسة البنك.
حينها قال كلمته الشهيرة:
ما دام في تركي حياة للبنك، فلأذهب أنا وليعش البنك.
وفي سبتمبر 1939 غادر منصبه، مفضلا بقاء المؤسسة الوطنية على بقائه الشخصي.
سنواته الأخيرة والرحيل
اعتزل طلعت حرب الحياة العامة في قرية العنانية بمحافظة دمياط، وكان يردد بحزن:
مت ولم أدفن.
وفي الثالث عشر من أغسطس عام 1941 رحل عن الدنيا عن عمر ناهز 74 عاما، بعدما أفنى حياته في خدمة الاقتصاد الوطني.
وشهدت القاهرة جنازة مهيبة شارك فيها آلاف المصريين، مودعين الرجل الذي قاد معركة الاستقلال الاقتصادي حتى آخر يوم في حياته.
لماذا بقي طلعت حرب رمزا خالدا؟
لأن مشروعه لم يكن مجرد تأسيس بنك أو شركة، بل كان رؤية كاملة لبناء وطن مستقل اقتصاديا. فقد أدرك مبكرا أن قوة الدول لا تقاس بالشعارات، بل بالمصانع والبنوك والإنتاج والعمل.
واليوم، لا يزال تمثال طلعت حرب قائما في قلب القاهرة، شاهدا على رجل آمن بأن كرامة الوطن تبدأ من اقتصاده، وأن الاستقلال الحقيقي يصنعه أبناء البلد بسواعدهم وعقولهم.



