بيت الفقيه.. مدينة تهامية صنعت المجد بالعلم والبن والفُل
تعد مدينة بيت الفقيه واحدة من أبرز المدن التاريخية في محافظة الحديدة، وتقع على بعد نحو 40 كيلومترًا جنوب شرق مدينة الحديدة، وقد عرفت عبر القرون بمكانتها العلمية والتجارية والثقافية، حتى أصبحت من أكثر المناطق التهامية حضورًا في التاريخ اليمني.
أسس المدينة العلامة الزاهد أحمد بن موسى بن عجيل خلال القرن السابع الهجري، فتحولت مع الزمن إلى مركز علمي وتجاري يقصده العلماء والمؤرخون والرحالة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
بيت الفقيه.. ثاني أكبر مديريات تهامة
تعد مديرية بيت الفقيه اليوم ثاني أكبر مديريات تهامة بعد مدينة الحديدة من حيث المساحة، وتتوسط موقعًا جغرافيًا مهمًا بين السهل التهامي وجبال ريمة.
وتسكن المنطقة قبائل الزرانيق، ويحد المديرية:
- من الشمال مديريتا المنصورية والمراوعة.
- من الشرق جبال ريمة.
- من الجنوب مديرية الحسينية.
- من الغرب البحر الأحمر.
وتتخذ مدينة بيت الفقيه مركزًا إداريًا للمديرية، التي ما تزال تحتفظ بطابعها التاريخي والاقتصادي حتى اليوم.
سبب تسمية بيت الفقيه بهذا الاسم
يرجع اسم المدينة إلى الشيخ الصوفي والفقيه أحمد بن موسى بن علي بن عجيل، أحد أشهر علماء اليمن ومشايخ التصوف في القرن السابع الهجري.
ففي منتصف القرن السابع الهجري اختار الفقيه ابن عجيل موضعًا بين مدينتي زبيد والحديدة، وكان المكان يُعرف آنذاك باسم كدف الحصيب أو كثيب الحصيب، ثم بنى فيه منزله ومسجده، فأصبح الناس يطلقون على المنطقة اسم بيت الفقيه نسبة إليه.
وفي عام 690 هـ توفي الفقيه ابن عجيل، لكن اسمه ظل خالدًا في المدينة التي أصبحت لاحقًا من أشهر مدن تهامة.
موقع استراتيجي صنع ازدهار المدينة
لعب الموقع الجغرافي لبيت الفقيه دورًا محوريًا في ازدهارها، إذ كانت تقع على طريق القوافل التجارية القادمة من مدن تاريخية مثل الكدراء والقحمة، والمتجهة نحو زبيد وفشال.
وكانت القوافل تتوقف في المدينة للراحة والتزود بالماء والطعام، ما ساهم في تنشيط الحركة التجارية وتحول بيت الفقيه إلى مركز اقتصادي بارز في تهامة.
ومع مرور الوقت شهدت المدينة توسعًا عمرانيًا كبيرًا، حتى أصبحت واحدة من أهم مدن الساحل الغربي اليمني.
بيت الفقيه وسوق البن العالمي
بلغت مدينة بيت الفقيه ذروة ازدهارها خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين، الموافقين للقرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، حين أصبحت أكبر مراكز تجارة وتسويق البن اليمني.
وكانت المدينة تستقبل منتجات البن القادمة من جبال ريمة وجبل برع والمناطق الزراعية المجاورة، ثم تُنقل عبر التجار إلى ميناء المخا لتصديرها إلى مختلف أنحاء العالم.
وقد أشار الرحالة الأوروبي كارستن نيبور، الذي زار المدينة في تلك الفترة، إلى أن بيت الفقيه كانت من أكبر أسواق البن في العالم آنذاك، بفضل موقعها القريب من ميناءي المخا والحديدة.
بماذا تشتهر مدينة بيت الفقيه؟
تشتهر مديرية بيت الفقيه بعدد من الصناعات والحرف التقليدية التي حافظت على حضورها عبر الأجيال، ومن أبرزها:
- صناعة السجاد اليدوي.
- حياكة الملابس التقليدية.
- صناعة الأواني الفخارية.
- الزراعة وإنتاج الحبوب والخضروات والفواكه.
كما تعرف المدينة بإنتاج أجود أنواع زهور الفُل اليمني، خاصة في منطقة العباسي الواقعة شمال غرب المدينة، والتي تُعد اليوم من أكبر مناطق إنتاج الفُل في اليمن.
وينقل الفُل يوميًا من سوق العباسي إلى مختلف المدن اليمنية، إضافة إلى تصديره إلى المملكة العربية السعودية، لما يتمتع به من جودة ورائحة مميزة جعلته من أشهر المنتجات الزراعية في تهامة.



