ذكرى رحيل علي بك الكبير.. كيف أطاحت خيانة محمد أبو الدهب بحلم الاستقلال؟
تحل اليوم ذكرى رحيل علي بك الكبير، الذي تعرض للخيانة على يد مملوكه محمد بك أبو الدهب، ويعتبر علي بك الكبير من أبرز شخصيات المماليك، وصاحب أول محاولة فعلية للاستقلال عن الدولة العثمانية وإقامة حكم شبه مستقل في مصر.
طموح التوسع
ووفقًا لما أورده كتاب «تاريخ مصر» الجزء الرابع للمؤرخ ساويرس بن المقفع، فإن الحملات التوسعية التي قادها علي بك الكبير دفعته لإرسال حملة عسكرية إلى الحجاز بقيادة مملوكه محمد أبو الدهب، وبعد نجاحه هناك، شجعه ذلك على توجيه حملة أخرى نحو بلاد الشام، خاصة بعدما وعد بمساندة حليفه الشيخ ظاهر العمر.
وتمكن أبو الدهب، قائد الحملة، من تحقيق انتصارات متتالية، بمساندة قوية من ظاهر العمر، حيث سقطت تحت سيطرته مدن عدة، من بينها غزة ونابلس ويافا والرملة واللد وصيدا وغيرها.
بداية الخيانة
لكن هذه الانتصارات تحولت لاحقًا إلى بداية النهاية، بعدما انقلب محمد أبو الدهب على سيده علي بك الكبير، وبدأ يسعى لنسب تلك الفتوحات لنفسه، كما نجح في تحريض البكوات ضده، فاتهمه تارة بالكفر والإلحاد، وتارة أخرى بالسعي لإخضاع البلاد للكفار، في إشارة إلى تعاون علي بك مع الروس.
وأمام هذا الوضع، اضطر علي بك الكبير إلى مغادرة القاهرة واللجوء إلى صديقه ظاهر العمر، أحد الحكام العثمانيين في فلسطين، مصطحبًا معه ثروته الكبيرة ونحو سبعة آلاف من الفرسان والمشاة، وبدأ في إعادة تنظيم قواته والتواصل مع قائد الأسطول الروسي الذي وعده بإرسال مساعدات عسكرية، إلا أن تلك الوعود لم تسفر سوى عن ثلاثة مدافع وعدد محدود من الضباط والبنادق.
معركة النهاية
ورغم نصائح ظاهر العمر له بالتريث وعدم التسرع، عجل علي بك الكبير بالعودة إلى مصر، حتى التقى بجيش محمد أبو الدهب في منطقة الصالحية بمحافظة الشرقية، وذلك يوم 15 صفر 1187 هـ الموافق 26 أبريل 1773م، في معركة انتهت بانتصار قوات أبو الدهب.
وأصيب علي بك الكبير خلال المواجهة بجروح خطيرة، وتم نقله إلى القاهرة، حيث رحل في 25 صفر 1187 هـ الموافق 8 مايو 1773م.
رواية جرجى زيدان
ويذكر جرجي زيدان في كتاب «مصر العثمانية» أن محمد أبو الدهب بعدما شاهد حجم الانتصارات التي حققها، دفعه الطموح للاستيلاء عليها لنفسه، ثم قادته أطماعه إلى محاربة علي بك وانتزاع مصر من يده.
وأشار زيدان إلى أن أبو الدهب ربما لم يتحرك بمفرده، بل بتحريض من الآستانة، خاصة مع استمرار الاتصالات السرية بينه وبينها عبر الباشا الذي كان علي بك قد أخرجه من مصر.
وأضاف أن محمد أبو الدهب أوقف حملاته في البلاد العثمانية، ووجه قواته نحو الديار المصرية، فجمع جيوشه والحاميات التي تركها في المدن المفتوحة، وتحرك باتجاه مصر، لكنه لم يتجه إلى القاهرة مباشرة خوفًا من الإنكشارية والوجاقات الأخرى، بسبب ما كانوا يحملونه من ضغينة تجاهه.
ولذلك، اتجه نحو الصحراء حتى وصل إلى الصعيد، وتمكن من السيطرة على أسيوط في آخر يوم من سنة 1185 هجرية، ثم سعى إلى التحالف مع قبائل العربان وبكوات الصعيد، وأعلن صراحة عزمه على خلع علي بك الكبير، قبل أن يتحرك بجيشه نحو القاهرة، ليصل إليها في أوائل سنة 1186 هجرية، وينزل بقواته مقابل البساتين أعلى مصر القديمة.



