سنقر الاشقر رحلة صعود من العبودية الى صراع العروش ونهاية صادمة

في زمن كانت السيوف فيه ترسم حدود الدول، وكان الولاء يرتفع احيانا فوق الطموح او ينكسر تحته، ظهر اسم شمس الدين سنقر الاشقر، رجل شكلته القسوة، وصقلته الحروب، وعاش بين صداقة قوية وصراع مرير على السلطة.
من هو سنقر الاشقر
ولد سنقر في بدايات القرن الثالث عشر، ودخل عالم المماليك من باب الرق، لكنه لم يقبل البقاء في الصفوف الخلفية، بل تقدم بثبات وسط جيل المماليك الصالحية، ذلك الجيل الذي لم يكتف بالخدمة، بل اسس دولة كاملة بقوة سيوفه، وهناك داخل المعسكرات نشأت رابطة الخشداشية، اخوة السلاح والمصير، وفي قلب هذه الرابطة توطدت صداقة قوية بين سنقر ورفيقه بيبرس.
لم يكن الطريق سهلا او مستقيما، فعندما قتل قائدهم اقطاي تفرقت الصفوف، وهرب سنقر مع رفاقه نحو الشام، يلاحقهم الخوف كما يدفعهم الطموح، ولم تمر سنوات حتى اجتاح المغول المنطقة كعاصفة مدمرة، وفي حلب وقف سنقر الى جانب بيبرس، لكن لحظة واحدة قلبت كل الموازين، حين اعطى سنقر حصانه لصديقه لينجو، وقرر ان يواجه مصيره وحده.
وقع سنقر في الاسر، واقتاده المغول الى بلاد بعيدة في فارس، حيث مرت عليه سنوات ثقيلة بدت وكأن الزمن توقف فيها، بينما في مصر لم ينسه بيبرس، بل اعتبر اسره دينا يجب ان يرده مهما كلفه الامر.
لم يعتمد بيبرس على السيف هذه المرة، بل استخدم دهاءه السياسي، وعندما وقع ابن ملك الارمن اسيرا لديه، جعل حريته ثمنا لحرية سنقر، فنجحت الصفقة بعد مفاوضات معقدة، وعاد سنقر الى الحياة بعد ان ظن الجميع انه ضاع.
عاد سنقر الى مصر ليس كاسير سابق، بل كأمير مقرب، فاستقبله بيبرس بحفاوة، وقربه اليه، واشركه في الحملات العسكرية، فاثبت سنقر قوته من جديد، وقاد المعارك ضد المغول، وحقق انتصارات مهمة، وظل وفيا حتى شارك في وداع بيبرس الى مثواه الاخير.
لكن الدولة لا تعتمد على الوفاء وحده، فبعد وفاة بيبرس بدأت الصراعات على الحكم، واشتدت المنافسة بين الامراء، وظهر صبية على العرش، ودخلت الدولة في دوامة من النزاعات، فوجد سنقر نفسه وسط هذه الفوضى، فاعتقل مرة، ثم اطلق سراحه، ثم ارسل الى دمشق في منصب بدا تكريما لكنه في حقيقته كان ابعادا محسوبا.
في دمشق تغيرت الامور تماما، ولم يعد سنقر مجرد امير، بل طمح الى اكثر من ذلك، فاعلن نفسه سلطانا، وذكر اسمه على المنابر، وسار في مواكب الملوك، وبدا للحظة انه وصل الى القمة بعد رحلة طويلة بدأت بالعبودية.
لكن القمة في دولة المماليك لم تكن مكانا امنا، فقد تحرك قلاوون بجيشه، وواجه سنقر في معركة قوية، ونجح سنقر في البداية في الصمود، وكاد يحقق الانتصار، لكن الولاءات التي ساندته من قبل تخلت عنه، فتفرقت قواته، وانهزم جيشه، واضطر الى الهروب نحو الصحراء.
هناك بعيدا عن القصور والسلطة، عاد سنقر الى حياته الاولى، رجل يقاتل فقط من اجل البقاء، لكن الاحداث لم تتوقف، اذ عاد خطر المغول من جديد يهدد الجميع.
في لحظة غير متوقعة، عاد سنقر الى الساحة، ولكن هذه المرة كحليف، فانضم الى جيش قلاوون، وشارك في معركة حمص، وعندما ضعفت الميسرة وكادت الهزيمة تقع، تقدم سنقر وقاد هجوما قويا قلب موازين المعركة، وحققوا نصرا جديدا.
سامحه قلاوون واعاده الى مكانته، فعاد سنقر الى مصر مكرما، وعاش فترة من الهدوء النسبي، وكأن الصراعات هدأت اخيرا، لكن هذا الهدوء لم يكن دائما.
عندما تولى الاشرف خليل الحكم تغيرت الموازين، فلم يعترف الجيل الجديد بروابط الماضي، وبدأ في التخلص من الامراء الكبار، واحدا تلو الاخر، وكان سنقر من بينهم.
القي القبض عليه، وادخل سجن القلعة، وفي ليلة باردة من ديسمبر عام 1292 انتهت حياته خنقا، لتسدل الستارة على قصة رجل عاش بين المجد والخطر، وبين الوفاء والصراع، حتى لحظته الاخيرة.



