فلسفة السلام في الفكر الإسلامي المعاصر: قراءة مقارنة بين علي مصطفى يعقوب و المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي
علاء عبدالله يكتب
تتصاعد في السياق العالمي الراهن تحديات فكرية وسياسية مرتبطة بتوظيف الدين في النزاعات، الأمر الذي يفرض ضرورة إعادة قراءة الخطاب الديني الإسلامي ضمن مقاربات معرفية جديدة تستند إلى البعد الإنساني والمقاصدي.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية استحضار نماذج إصلاحية سعت إلى تقديم فهم متوازن للإسلام، يعيد الاعتبار لقيم السلام والتعايش، وتمثل تجربتا العالم الإندونيسي علي مصطفى يعقوب والمفكر العربي علي الشرفاء الحمادي نموذجين بارزين في هذا المسار.
على مائدة بسيطة في جاكرتا لم يكن اللقاء مع علي مصطفى يعقوب مجرد جلسة عابرة، بل لحظة كاشفة لعقلٍ تشكّل في قلب التحديات،، تحدّث الرجل بهدوء عن تجربة مرافقة شخصيات عالمية، مؤكدًا أن الانفتاح ليس خيارًا تجميليًا، بل ضرورة للبقاء.
في مكان آخر من العالم العربي، كان علي الشرفاء الحمادي يخوض معركته الخاصة، لكن بأدوات مختلفة؛ إعادة قراءة النص القرآني كخطاب إنساني عالمي، لا كمنظومة مغلقة.
ورغم المسافة بين أبوظبي وجاكرتا، بدا أن الرجلين يلتقيان عند فكرة واحدة: الدين ليس ساحة صراع، بل مساحة للمعنى والكرامة. ومع تحركات مؤسسة رسالة السلام العالمية، بدأت هذه الأفكار تجد طريقها من الكتب إلى الواقع.
السياق المعرفي ودور العلماء في تشكيل الوعي
تُعد إندونيسيا نموذجًا مميزًا في حضور العلماء داخل المجال العام، حيث أسهموا تاريخيًا في تشكيل الوعي الجمعي، لا سيما خلال فترات مقاومة الاستعمار، وفي هذا السياق، يبرز دور العلماء بوصفهم فاعلين اجتماعيين، يمتد تأثيرهم إلى مجالات السياسة والثقافة، وقد شكّل علي مصطفى يعقوب أحد أبرز ممثلي هذا الدور في العصر الحديث، حيث جمع بين المرجعية الدينية والانفتاح على القضايا العالمية، وساهم في جهود مكافحة التطرف من خلال الحوار وإعادة التأهيل الفكري.
إعادة تأطير مفهوم الجهاد
ينطلق يعقوب من فرضية منهجية مفادها أن النصوص الدينية لا يمكن فهمها بمعزل عن سياقاتها التاريخية، وبناءً على ذلك، يعيد تفسير مفهوم “الجهاد” بوصفه ممارسة دفاعية مرتبطة بشروط محددة، مثل رد العدوان أو حماية الحقوق، ويؤكد أن التعميم غير المنضبط لهذه النصوص يمثل أحد أبرز أسباب الانحراف نحو العنف ومن ثم، يطرح تصورًا بديلًا يقوم على اعتبار السلام هو الأصل في العلاقات الإنسانية، بينما يُعد القتال استثناءً تنظمه ضوابط أخلاقية وقانونية صارمة.
مركزية القرآن ووحدة الرسالة الإنسانية
على صعيد آخر، يقدّم علي الشرفاء الحمادي مقاربة مختلفة نسبيًا، ترتكز على إعادة بناء المرجعية الدينية من خلال التركيز على القرآن باعتباره المصدر الوحيد للهداية والتشريع.
ويستند الشرفاء في ذلك إلى رؤية كونية تعتبر الرسالات السماوية تعبيرًا عن حقيقة واحدة، تهدف إلى ترسيخ قيم العدل والرحمة، كما يدعو إلى تجاوز القراءات التراثية التي أسهمت، بحسب طرحه، في تكريس الانقسام، والعمل على إبراز البعد الإنساني العالمي للإسلام.
على الرغم من الاختلاف المنهجي بين التجربتين، فإن ثمة تقاطعات واضحة تجمع بينهما، أبرزها:
- التأكيد على أن السلام يمثل الأصل في الإسلام.
- الدعوة إلى بناء علاقة إيجابية مع الآخر تقوم على التعايش والتعاون.
- نقد التفسيرات المتشددة للنصوص الدينية، والسعي إلى إعادة تأويلها ضمن سياقاتها الصحيحة.
من التنظير إلى الممارسة
تتجلى أهمية هذه الرؤى في قدرتها على الانتقال من المجال النظري إلى التطبيق العملي، وهو ما تسعى إليه مؤسسة رسالة السلام العالمية من خلال مبادراتها الدولية، التي تشمل تنظيم الندوات وبناء الشراكات الأكاديمية، وتعزيز الحوار بين الثقافات. وتمثل الزيارات المتبادلة بين دول مثل إندونيسيا وماليزيا والعالم العربي نموذجًا لهذا التفاعل المعرفي العابر للحدود.
تكشف الدراسة المقارنة بين تجربتي علي مصطفى يعقوب وعلي الشرفاء الحمادي عن إمكانية بلورة خطاب ديني معاصر يستند إلى أسس إنسانية مشتركة، ويعيد تعريف العلاقة بين الدين والعالم. كما تؤكد أن الإصلاح الديني لا يتحقق عبر مسار أحادي، بل من خلال تعددية في المقاربات تتكامل عند هدف واحد، يتمثل في ترسيخ قيم السلام والعدل وكرامة الإنسان. وفي ظل التحديات الراهنة، تبرز هذه الجهود بوصفها ضرورة معرفية وتاريخية لإعادة بناء الوعي الديني على أسس أكثر اتزانًا وانفتاحًا.
بدون شك وفي زمنٍ تتكاثر فيه القراءات المتشددة للدين، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة النظر في الأسس التي بُني عليها الخطاب الديني السائد، إذ يطرح التلاق بين علي مصطفى يعقوب وعلي الشرفاء الحمادي نموذجًا يستحق التوقف، ليس بوصفه توافقًا عابرًا، بل كدلالة على إمكانية نشوء تيار إصلاحي عابر للحدود.

