أربعاء أيوب في تراث عادات وتقاليد أهل سيناء (قصة رمزية)
حاتم عبدالهادي السيد
في قلب سيناء، حيث لا تُقاس الأيام بالوقت بقدر ما تُقاس بما تتركه في الروح، كان البحر يفتح صدره كل عام ليومٍ لا يشبه غيره. يومٌ لا يُعلن عنه في التقويم، لكنه يعيش في الذاكرة كأنه وعدٌ قديم لا يشيخ.
في ذلك الصباح، لم يكن البحر مجرد ماء، بل كأنه مرآة كبيرة تعكس ما لا يُقال. يقف الناس على حافته، وكلٌّ منهم يحمل شيئًا لا يُرى: وجعًا، انتظارًا، أو رجاءً تأخر كثيرًا. كان بينهم شيخٌ فقد صوته في الدعاء لكثرة ما دعا، وامرأةٌ تحفظ الصبر كما تحفظ أسماء أبنائها، وطفلٌ يظن أن البحر يسمع ويجيب.
قال الشيخ بصوتٍ يشبه الريح:
“يقولون إن هذا يوم أيوب… يومٌ يخفّ فيه البلاء.”
لم يرد أحد، لكن البحر تحرّك قليلًا، كأنه يصغي.
كانت الحكاية التي يحملها الناس أقدم من الوجوه. حكاية النبي ، الذي صبر حتى صار الصبر اسمه الثاني، والذي خرج من محنته كما يخرج الفجر من ظلمة الليل. لم تكن القصة تُروى هنا كذكرى، بل كقانون خفيّ للأمل: أن الألم مهما طال، لا بد أن يلين.
اقتربت المرأة من الماء، لم تتردد هذه المرة. لم تقل شيئًا، فقط تركت قدميها تلمسان الموج، وكأنها تضع جزءًا من تعبها هناك. وفي اللحظة ذاتها، شعرت أن شيئًا ما داخلها يتخفف، لا لأنها شُفيت، بل لأنها تذكّرت أن الشفاء ممكن.
أما الطفل، فقد مدّ يده نحو البحر وسأل:
“هل البحر يعرف أسماءنا؟”
ضحك الشيخ، لكن ضحكته كانت مبللة بالحنين، وقال:
“البحر لا يعرف أسماءنا… لكنه يعرف ما نحمله في قلوبنا.”
ومع كل موجة كانت تقترب وتعود، كان الناس يشعرون أن شيئًا منهم يُغسل دون أن يُمحى؛ كأن الماء لا يأخذ الألم، بل يعلمه كيف يهدأ.
في و، لم يكن المشهد مختلفًا؛ نفس الوقوف على الحدّ الفاصل بين الأرض والرجاء، بين التعب والانتظار. كأن سيناء كلها في ذلك اليوم تتحول إلى عتبة واحدة، يعبر منها الإنسان من ثقل ما كان، إلى خفة ما يمكن أن يكون.
وحين ارتفعت الشمس، لم يحدث شيء خارق. لم تُفتح السماء، ولم تتغير الحياة فجأة. لكن الناس عادوا بخطى أهدأ، كأن شيئًا غير مرئي قد انكسر داخلهم: الخوف.
وهكذا ظل “أربعاء أيوب” يمضي في الصحراء كسرٍّ لا يُقال، بل يُعاش؛
يذكّرهم بأن المعجزة لا تأتي دائمًا لتُغيّر العالم…
بل أحيانًا تأتي فقط لتُعلّم القلب كيف يصبر.
حاتم عبدالهادي السيد
شمال سيناء



