من رفح إلى طابا.. حكاية صورة صنعت ذاكرة تحرير سيناء
أسماء صبحي – في كل عام تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر الصور رسوخًا في الوجدان المصري. تلك التي توثق لحظة رفع العلم المصري على أرض سيناء وتحديدًا في مدينة رفح لتصبح رمزًا بصريًا خالدًا لعيد تحرير سيناء. وهذه الصورة التي يظهر فيها الرئيس الراحل حسني مبارك وهو يرفع العلم في 25 أبريل 1982 لم تكن مجرد لقطة عابرة. بل تحولت إلى أيقونة وطنية تختزل سنوات من الصراع والتضحيات. وتعلن عودة السيادة المصرية على أرض سيناء بعد اكتمال الانسحاب الإسرائيلي من معظم أراضيها.
من نصر أكتوبر إلى تحرير سيناء
لم تكن لحظة رفع العلم وليدة يومها بل جاءت تتويجًا لمسار طويل بدأ مع حرب أكتوبر 1973 بقيادة الرئيس الراحل أنور السادات. التي أعادت لمصر كرامتها العسكرية وأثبتت قدرتها على استعادة أراضيها بالقوة. فقد نجحت القوات المسلحة في تحقيق مفاجأة استراتيجية بالعبور إلى الضفة الشرقية لقناة السويس والتوغل داخل سيناء. وهو ما أجبر إسرائيل لاحقًا على الدخول في مسار تفاوضي.
وبعد الحرب، اتخذ السادات خطوة جريئة بإعلانه الاستعداد للسلام ساعيًا لاسترداد الأرض عبر المفاوضات. وهو المسار الذي لم يكتمل في حياته بعد اغتياله عام 1981 لكنه وضع الأساس لاستعادة سيناء كاملة.
استكمال المسيرة حتى لحظة التحرير
مع تولي الرئيس حسني مبارك المسؤولية استمرت جهود استكمال المفاوضات التي انتهت بإعلان استرداد سيناء في 25 أبريل 1982 باستثناء جزء صغير في منطقة طابا. وقد شهد هذا اليوم رفع العلم المصري في عدة مواقع بسيناء إلا أن مشهد رفح ظل الأكثر تأثيرًا. لما يحمله من دلالة رمزية باعتبارها نقطة حدودية تمثل نهاية الاحتلال على الأرض المصرية.
طابا والمعركة القانونية الأخيرة
رغم اكتمال الانسحاب، حاولت إسرائيل عرقلة المشهد النهائي عبر افتعال نزاع حول منطقة طابا من خلال التلاعب في العلامات الحدودية. لكن القيادة المصرية تعاملت مع الموقف بحكمة ووافقت على إحالة القضية إلى التحكيم الدولي الذي أنصف مصر وأقر بأحقيتها في طابا. لتعود آخر قطعة من أرض سيناء رسميًا في 19 مارس 1989 مكتملة بذلك ملحمة التحرير.
مراحل استعادة الأرض
بدأت رحلة استرداد سيناء فعليًا عقب وقف إطلاق النار بعد حرب أكتوبر حيث انطلقت مفاوضات الكيلو 101 التي مهدت لاتفاقيات فض الاشتباك. وفي المرحلة الأولى التي انتهت عام 1975، استعادت مصر مناطق استراتيجية مهمة من بينها المضايق الحيوية وحقول البترول على خليج السويس.
أما المرحلة الثانية، التي اكتملت في يناير 1980 فقد شهدت انسحابًا إسرائيليًا من خط العريش إلى رأس محمد، مما أدى إلى تحرير نحو ثلثي مساحة سيناء. وجاءت المرحلة الثالثة لتستكمل الانسحاب حتى الحدود الدولية الشرقية معلنة تحرير سيناء بالكامل باستثناء طابا، التي حُسمت لاحقًا لصالح مصر.
رفح ورمزية المكان وخلود اللحظة
لم يكن اختيار رفح لرفع العلم المصري قرارًا عشوائيًا، بل جاء لما تمثله من أهمية استراتيجية كأقصى نقطة حدودية في شمال شرق سيناء ولما تحمله من دلالة واضحة على نهاية الاحتلال. ورغم أن العلم رفع في عدة مواقع في اليوم ذاته، فإن صورة رفح ظلت الأكثر انتشارًا لأنها جسدت لحظة اكتمال السيادة الوطنية بشكل بصري مؤثر. لترسخ في الذاكرة الجمعية كعنوان لتحرير سيناء واستعادة الأرض.



