سر النور المقدس في القدس حين تتجلى المعجزة وتخضع القلوب للإيمان

الإيمان يمنح الإنسان كل شيء، وغيابه يسلبه كل معنى، فبالإيمان يرى الإنسان ما يراه الله، وبدونه يظل أسير نظرة البشر، وفي زمن تتزاحم فيه الشكوك، تزداد الحاجة إلى إيمان صادق يقوم على جذور دينية ثابتة بعيدة عن التعصب، ويستند إلى وقائع تمنح الروح طمأنينة لا تزول.
سر النور المقدس في القدس
يؤمن المسيحيون بقيامة السيد المسيح من القبر في اليوم الثالث، ويحتفلون بسبت النور الذي يحمل رمزية عميقة، حيث يعبر عن انبثاق النور بعد ظلمة الموت، وفي هذه المناسبة تتجدد مشاعر الفرح، ومعها تظهر معجزة ينتظرها المؤمنون كل عام داخل كنيسة القيامة في القدس، حيث يخرج النور المقدس من القبر في مشهد يملأ القلوب رهبة وسكينة.
تحدثت العديد من الوثائق التاريخية عن هذه الظاهرة، واهتم بها مؤرخون ورحالة عبر العصور، ومن بينهم البيروني وابن الأثير، حيث عبرا عن دهشتهما مما شاهدا من ظهور النور في عيد النصارى في القدس، كما تشير روايات أخرى إلى حضور صلاح الدين الأيوبي لهذا الحدث، وتأثره الشديد بما رآه من مشهد مهيب.
تعود أقدم الكتابات التي وصفت هذه الظاهرة إلى القرن الرابع، وهو ما يمنحها بعدا تاريخيا ممتدا، وعلى عكس كثير من الظواهر الغامضة التي يصعب تحديد زمانها ومكانها، فإن هذه المعجزة ترتبط بموعد محدد ومكان معروف، ومع تطور وسائل النقل في العصر الحديث، صار الناس ينقلون شعلة من هذا النور إلى دول عديدة ليستخدموها في احتفالات عيد الفصح.
تحدث هذه المعجزة سنويا داخل كنيسة القيامة في القدس، في نفس التوقيت تقريبا، خلال احتفالات الفصح الشرقي الأرثوذكسي، حيث يعد هذا المكان من أقدس المواقع عند المسيحيين، لأنه شهد صلب المسيح وموته بالجسد ودفنه ثم قيامته في اليوم الثالث، في مشهد يعكس الانتصار على الموت ويمنح المؤمنين أملا متجددا.
تمتلئ كنيسة القيامة بالمؤمنين من مختلف الجنسيات، مثل اليونانيين والروس والرومانيين والأقباط والسريان، إضافة إلى المسيحيين العرب، ويبدأ هذا التجمع منذ الجمعة العظيمة، حيث ينتظر الجميع لحظة ظهور النور في أجواء روحانية عميقة تسودها الصلاة والترقب.
يصف بطريرك أورشليم الأرثوذكسي ثيوذوروس تفاصيل هذه اللحظة، حيث يركع أمام الحجر الذي وضع عليه جسد المسيح، ويبدأ في الصلاة بخشوع، وخلال هذه اللحظات يظهر النور من داخل القبر، ويأخذ في البداية لونا أزرق ثم يتدرج إلى ألوان مختلفة، ويشبه ظهوره خروجا هادئا يشبه السحاب، لكنه يحمل طابعا روحيا لا يمكن تفسيره بالعلم، ويؤكد أن هذا النور لا يحرق، بل يضيء الشموع التي يحملها، ومنها ينتشر إلى باقي الحاضرين.
ظهرت أولى الإشارات المكتوبة عن هذه المعجزة في أوائل القرن الرابع، بينما تذكر روايات أقدم أن الرسول بطرس شاهد هذا النور داخل الكنيسة بعد قيامة المسيح بسنوات قليلة، كما قدم الأرشمندريت دانيال في مذكراته وصفا دقيقا لما شاهده في القرن الثاني عشر، حيث تحدث عن دخول البطريرك إلى الكنيسة حاملا شمعتين، ثم صلاته أمام الحجر حتى يخرج النور ويضيء الشموع والقناديل.
يرى البعض أن هذه الظاهرة مجرد خدعة، ويعتقدون أن هناك وسيلة إضاءة مخفية داخل القبر، لكن عمليات التفتيش التي أجرتها سلطات غير مسيحية عبر التاريخ لم تثبت صحة هذه الادعاءات، وهو ما زاد من تمسك المؤمنين بكونها معجزة حقيقية.
تبقى هذه الظاهرة واحدة من أبرز المعجزات المرتبطة بالسيد المسيح، وتستمر منذ آلاف السنين دون انقطاع، وكلما تكررت زادت قوة الإيمان في القلوب، لأن الله لا يطلب من الإنسان سوى الإيمان، ذلك الإيمان الذي يتجاوز حدود العقل البشري ويركز على حضور الله في كل تفاصيل الحياة.



