حوارات و تقارير

«على جدران الجبال».. باحث أثري يكشف أهمية النقوش الصخرية المكتشفة بسيناء مؤخرًا

أميرة جادو

في خطوة تعكس عمق الإرث الحضاري لشبه جزيرة سيناء ومكانتها عبر العصور، كشفت وزارة السياحة والآثار عن اكتشاف أثري جديد يعد من أبرز الاكتشافات الحديثة في مجال الفن الصخري، وجاء ذلك بعد أن نجحت بعثة أثرية مصرية تابعة لـ المجلس الأعلى للآثار في تحديد موقع أثري لم يكن معروفًا من قبل في جنوب سيناء، يعرف باسم «هضبة أم عِراك»، ويضم مجموعة مميزة من النقوش والرسوم الصخرية التي تمتد عبر آلاف السنين.

ويقدم الموقع المكتشف سجلًا بصريًا متكاملًا لمسيرة الإنسان الأولى في التعبير الفني والرمزي، بداية من عصور ما قبل التاريخ وصولًا إلى الفترات الإسلامية، في دلالة واضحة على تعاقب الحضارات وتنوعها في تلك البقعة الاستثنائية من أرض مصر.

كما يمثل هذا الكشف إضافة مهمة إلى خريطة المواقع الأثرية بجنوب سيناء، كما يعزز فرص تنشيط السياحة الثقافية في المنطقة، خاصة في ظل الاهتمام العالمي المتزايد بمواقع الفن الصخري بوصفها وثائق حية تؤرخ لتاريخ الإنسان وتطوره عبر العصور.

أهمية النقوش الصخرية

وفي هذا الإطار، قال الباحث الأثري والمتخصص في علم المصريات أحمد عامر إن النقوش الصخرية تمثل مرآة لمظاهر الحياة في تلك العصور، وتوثيقًا حيًا لتفاصيلها، إذ تحمل بين خطوطها ورسومها مشاهد متنوعة تعكس طبيعة البيئة والكائنات التي عاشت في تلك الحقب التاريخية. فقد حرص المصريون القدماء على تسجيل هذه المشاهد، فقاموا بحفرها ونحتها على الصخور وفي الجبال، لتكون سجلًا مفتوحًا يعرف بحياتهم وأنماط عيشهم، وتمتد هذه النقوش لعشرات الآلاف من السنين، وبعضها كتب بالخط النبطي وباللغة المصرية القديمة، في دلالة واضحة على تنوع المراحل التاريخية التي شهدت هذا الفن التوثيقي.

خرائط الحيوان والطقس

ولفت “عامر”، إلى انتشار نقوش عديدة في مدن مصر المختلفة، موضحًا أن هناك أكثر من خمسة عشر نقشًا يرجع إلى عصور ما قبل التاريخ، وتتضمن رسومات لحيوانات برية مثل الأبقار والغزلان.

كما تضم نقوشًا أخرى مشاهد ذات طابع ديني، من بينها تصوير طيور النعام وبعض الزرافات، في إشارات إلى الطقوس والمعتقدات السائدة آنذاك، ومن أبرز المواقع التي تحتضن هذه النقوش: مقابر النبلاء، وادي سبيرة، وكوم أمبو.

وأضاف “عامر” أن مدينة الأقصر شهدت العثور على عدد من اللوحات التي تضم نقوشًا ورسومات صخرية تعد من أوائل أشكال الكتابة في مصر القديمة، حيث احتوت على أقدم وأكبر العلامات التي تنتمي إلى المراحل التكوينية المبكرة للنص الهيروغليفي.

وتمثل هذه النقوش دليلًا مهمًا على الكيفية التي ابتكر بها المصري القديم بدايات نظام الكتابة، وذلك قبل عصر ما قبل الأسرات.

من سيناء إلى السويس

وأشار الخبير الأثري، إلى أن شبه جزيرة سيناء تضم واحدة من أشهر مناطق النقوش الصخرية، خاصة في سرابيط الخادم، إلى جانب الجبال والأديرة المنتشرة هناك، والتي تحتفظ بنقوش شديدة القِدم.

كما يبرز وادي الحجاج الذي يوثق رحلة الحجاج المسيحيين قديمًا من أرمينيا والشام واليونان. وفي منطقة السويس عثر على نقوش تعود إلى العصور المصرية القديمة، تظهر كفاح الجيش المصري في مواجهة العدو القادم من البوابة الشرقية، فضلًا عن مشاهد للشعائر الدينية التي مارسها المصري القديم، مثل تقديم القرابين للآلهة، ومن أشهر مواقع هذه النقوش: وادي الدوم، موقع السيلك، والرسيس.

كهوف الصحراء الكبرى

واستطرد الخبير الأثري، أن منطقة الجلف الكبير تعد من أبرز المناطق التي تزخر بالنقوش الصخرية، إذ تم العثور في وادي صورة على رسوم مميزة داخل كهف السابحين، إلى جانب رسومات للزراف وحيوان يشبه الأسد.

كما كشف في كهف المستكاوي عن أكثر من ألفي صورة ونقش تجسد الإنسان الأول. ويبرز كذلك وادي عبد الملك بمناظره الجمالية التي تتضمن رسومات للماشية، فضلًا عن وادي بخيت الذي يتميز بكثبانه الرملية الضخمة، حيث عثر به على رواسب بحرية قديمة وأدوات تشير إلى إقامة الإنسان في تلك المنطقة، كما يضم وادي حمرا ثلاث مجموعات من الفن الصخري، تتجسد في نقوش لحيوانات برية مثل الزراف، في لوحة طبيعية توثق حضور الإنسان والطبيعة معًا عبر آلاف السنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى