رحلة الطائف حين انقلب الوجع نورا والمحنة بابا للمنحة
مرت على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ايام شديدة القسوة بعد وفاة عمه ابي طالب وزوجته خديجة رضي الله عنها، ففقد السند والحماية والسكينة، واشتد اذى قريش، وكثر الصد عن دعوة التوحيد، حتى صارت مكة رغم قداستها وسعتها تضيق على قلبه الشريف، وشعر ان طرق الدعوة فيها اصبحت مغلقة، وان المرحلة تحتاج افقا جديدا ومساحة اخرى للكلمة.
قصة رحلة الطائف
في هذا الجو المثقل بالحزن، قرر النبي صلى الله عليه وسلم ان يخرج بدعوته الى مكان اخر، فاختار الطائف، المدينة الخضراء التي تسكنها قبيلة ثقيف، املا في ان يجد قلوبا تسمع، ونفوسا تنصر، وايادي تؤوي، فخرج في شهر شوال من السنة العاشرة للنبوة، ماشيا على قدميه، ولم يكن معه سوى مولاه ورفيقه الوفي زيد بن حارثة رضي الله عنه، في رحلة حملت في طياتها الالم والرجاء معا.
مواجهة القسوة في الطائف
وصل النبي صلى الله عليه وسلم الى الطائف، وتوجه مباشرة الى سادة القوم واشرافهم، وهم الاخوة الثلاثة عبد ياليل ومسعود وحبيب بنو عمرو بن عمير، فجلس اليهم بهدوء وثبات، وعرض عليهم دعوة التوحيد، وطلب منهم النصرة والحماية من اذى قومه، لكن الرد جاء صادما وقاسيا، خاليا من الرحمة والاحترام.
قابلوه بالسخرية والاستهزاء، وواجهوا دعوته بكلمات جارحة، فزاد ذلك من ثقل اللحظة، ونهض النبي صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد فقد الامل في استجابتهم، لكنه طلب منهم طلبا واحدا، ان يكتموا خبره عن قريش، غير انهم لم يستجيبوا، بل اصروا على الاذى، وحرصوا على زيادة الجرح عمقا.
حرض سادة ثقيف سفهاءهم وعبيدهم على النبي صلى الله عليه وسلم، فلاحقوه بالسباب والصراخ، واصطفوا له صفين، وراحوا يرشقونه بالحجارة، حتى سال الدم من قدميه الشريفتين، وامتلأت نعلاه بالدم الطاهر، بينما كان زيد بن حارثة يقيه بنفسه، ويتلقى الضربات عنه، حتى اصيب في رأسه.
استمر الاذى حتى اضطر النبي صلى الله عليه وسلم وزيد الى اللجوء لبستان يملكه عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وهناك جلس تحت ظل شجرة عنب، مثقلا بالجراح، منهكا من التعب، مكسور الخاطر، لكنه لم يفقد ثقته بربه.
الدعاء الذي خلد الصبر والرضا
في تلك اللحظة الفارقة، رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه الى السماء، وخرج الدعاء من قلب منكسر لكنه ممتلئ ايمانا وتسليما، فشكا الى الله ضعفه وقلة حيلته وهوانه على الناس، واعلن ان اعظم همه ان يكون الله راضيا عنه، فان كان الرضا حاضرا هان كل شيء، وان كانت العافية متحققة فهي اوسع وابقى.
كان هذا الدعاء ترجمة صادقة لمعنى العبودية الكاملة، حيث يتحول الالم الى قرب، والانكسار الى قوة، والخوف الى طمأنينة، ما دام القلب معلقا بالله وحده.
رأى عتبة وشيبة ما اصاب النبي صلى الله عليه وسلم، فتحرك في قلبيهما شيء من الرحمة، فدعوا غلاما نصرانيا من اهل نينوى يدعى عداس، وطلبا منه ان يقدم قطفا من العنب للرجل المتعب.
قدم عداس العنب، فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده وذكر اسم الله، فتعجب عداس من هذه الكلمة التي لم يعرفها اهل تلك البلاد، ودار بينهما حوار قصير كشف عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، حين اخبره عن يونس بن متى، فاهتز قلب عداس، واعلن ايمانه، وقبل رأس النبي ويديه وقدميه، لتكون هذه اللحظة اول ثمرة ايمان في رحلة الالم.
غادر النبي صلى الله عليه وسلم الطائف حزين القلب، مثقلا بالهم، لكن العوض جاء سريعا، اذ بلغه جبريل ان الله سمع قول قومه، وبعث ملك الجبال ليطيعه فيما يشاء، فعرض عليه ان يطبق على اهل الطائف الاخشبين.
لكن قلب النبي صلى الله عليه وسلم الذي امتلأ رحمة رفض الانتقام، واختار الامل، ودعا ان يخرج الله من اصلابهم من يعبده وحده ولا يشرك به شيئا، ليضرب اروع مثال في العفو والحلم، حتى في اشد لحظات القدرة.
تسلية السماء وبداية التحول
في وادي نخلة، قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في جوف الليل، فتوقفت عند تلاوته الخاشعة قلوب نفر من الجن، فاستمعوا للقران، وامنوا به، وعادوا الى قومهم دعاة ومبشرين، لتكون هذه اللحظة رسالة سماوية واضحة، ان من يرفض الدعوة في الارض، تستقبلها قلوب من عوالم اخرى.
عاد النبي صلى الله عليه وسلم نحو مكة، لكنه خشي دخولها دون حماية، فطلب الجوار من بعض سادتها فرفضوا، حتى قبل المطعم بن عدي ان يجيره، فخرج مع ابنائه متقلدين السيوف، واحاطوا بالنبي وهو يطوف بالكعبة، معلنين حمايته، لتكتمل فصول الرحلة بالعزة بعد الوجع.



