هرر مدينة المآذن والضباع حكاية التاريخ والتسامح في قلب إثيوبيا
بسورها القديم وأزقتها الضيقة العتيقة، تحكي مدينة هرر الإثيوبية تاريخا ثريا يمتد لقرون طويلة، إذ تقع على بعد نحو 525 كيلومترا شرق العاصمة أديس أبابا، وتعد واحدة من أقدم المدن الإسلامية في القارة الإفريقية وأكثرها فرادة وتميزا.
تاريخ هرر
تعرف هرر بمدينة المآذن والأولياء، فهي تحتضن داخل أسوارها 99 مسجدا، إلى جانب 102 من الأضرحة وقباب الأولياء والصالحين، ما منحها مكانة روحية خاصة جعلتها قبلة للعلماء والمتصوفة وطلاب المعرفة عبر العصور، ويعود تاريخ المدينة إلى القرن العاشر الميلادي، حيث لا تزال ثلاثة من مساجدها قائمة منذ تلك الحقبة، أبرزها المسجد العتيق المعروف بمسجد جمعة، والذي يعد تحفة معمارية شاهدة على عمق الحضارة الإسلامية في المنطقة.
وشيد سور هرر التاريخي بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر الميلادي، ويعرف باسم جقال، ويبلغ طوله نحو 3348 مترا، بينما يصل ارتفاعه إلى أربعة أمتار، ويتخلله عدد من الأزقة الضيقة التي تعكس نمط الحياة التقليدية لسكان المدينة، ويضم السور خمس بوابات رئيسية ترمز إلى الصلوات الخمس، وهي باب السلام وباب النصر وباب بدر وباب الرحمة وباب البحر الأحمر، في دلالة روحية تعكس ارتباط المدينة العميق بالإسلام وقيمه.
وقد عرفت هرر عبر تاريخها بالتسامح والوئام بين سكانها، حيث عاش أهلها في انسجام اجتماعي وثقافي لافت، ما أسهم في الحفاظ على هوية المدينة وخصوصيتها، ونتيجة لقيمتها التاريخية والإنسانية، أدرجت مدينة هرر ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 2006، بعد أن منحت جائزة السلام لعامي 2002 و2003 تقديرا لدورها الثقافي والإنساني.
وتشتهر المدينة بزراعة أجود أنواع البن الإثيوبي، إلى جانب القات، كما يتميز تراثها الثقافي بالحرف التقليدية التي توارثها السكان جيلا بعد جيل، مثل تجليد الكتب يدويا، وحياكة الفساتين الحريرية، والحدادة لصناعة الخناجر، إضافة إلى النسيج والدباغة، وهي صناعات تعكس مهارة أهل هرر وارتباطهم بتراثهم الأصيل.
ومن أكثر ما يميز مدينة هرر ويجعلها فريدة على مستوى العالم، العلاقة الاستثنائية التي تجمع سكانها بالضباع، إذ يعيش الأهالي معها في ألفة لافتة، ويقومون بإطعامها يوميا عند أبواب المدينة، فمع غروب شمس كل يوم، تنزل الضباع من الجبال المحيطة بالمدينة في مشهد سلمي مدهش، لتتناول طعامها دون أن تتعرض للسكان أو تؤذيهم، بل تبدو أقرب في سلوكها إلى القطط الأليفة، حيث يكفي أن يلوح لها الإنسان من بعيد حتى تفر هاربة.
وتؤدي الضباع دورين أساسيين في حياة سكان هرر، يتمثل الأول في طقس شعبي متوارث، إذ يضع الأهالي قدور العصيدة المحلية فوق الجبال المحيطة بالمدينة في يوم عاشوراء من كل عام، ثم يعودون لتفقدها في اليوم التالي، فإذا أكلت الضباع نصف العصيدة، اعتبر ذلك بشارة بسنة خير ورزق وفير، أما إذا التهمتها كاملة، فينظر إلى العام القادم على أنه عام صعب مليء بالتحديات.
أما الدور الثاني للضباع، فيتمثل في الحفاظ على نظافة المدينة، حيث تقوم بالتخلص من بقايا اللحوم والجلود والحيوانات النافقة مثل القطط والكلاب والقوارض، ما يسهم في حماية البيئة والصحة العامة للسكان.
إلى جانب ذلك، أصبحت هذه العلاقة الفريدة بين الإنسان والضباع عامل جذب سياحي مهم، حيث يقصد الزوار مدينة هرر لمشاهدة هذا المشهد النادر والتعرف على ثقافة المدينة، ما يوفر موردا اقتصاديا إضافيا للسكان.
وهكذا تبقى هرر مدينة استثنائية، تجمع بين التاريخ والدين والتراث، وبين الإنسان والطبيعة في علاقة تقوم على التعايش والتسامح، لتظل واحدة من أكثر المدن تميزا وغموضا في إفريقيا والعالم.



