69 عامًا على العدوان الثلاثي..حكاية المدينة الباسلة من الحرب إلى الانتصار

أميرة جادو
تمر اليوم الذكرى الـ 69 عامًا على العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر، واستهدف بشكل خاص مدينة بورسعيد الباسلة، وذلك ردًا على القرار التاريخي الذي اتخذه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية وتحويلها إلى شركة مساهمة مصرية في 26 يوليو 1956، بعد رفض القوى الكبرى تمويل مشروع السد العالي، غير أن صمود بورسعيد وبسالة رجال المقاومة الشعبية في مختلف أنحاء المحروسة، إلى جانب الدعم الدولي الذي حظيت به مصر بقيادة الاتحاد السوفيتي، أسهمت في دحر العدوان وخروجه مهزومًا، لتكون هذه الهزيمة إيذانًا بأفول نجم القوى الاستعمارية التقليدية.
بورسعيد والمقاومة الشعبية
شهدت فترة العدوان الثلاثي، أو ما يعرف بحرب السويس، أشكالًا متعددة من المقاومة المسلحة، إلى جانب مقاومة ناعمة عبّرت عن رفض العدوان.
وتلاحمت قوى الشعب مع رجال الجيش المصري، فيما لعب الفن والثقافة دورًا بارزًا في رسم صورة ملهمة لمواجهة الحروب بالقوة الناعمة. وعلى النقيض، وقف الإخوان كعادتهم موقفًا معاديًا لمصر وجيشها وسلطتها الوطنية.
هزيمة سياسية رغم التفوق العسكري
وعلى الرغم من النجاح العسكري الأولي لقوى العدوان، فإن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل تكبدت في نهاية المطاف هزيمة سياسية ودبلوماسية قاسية.
فقد نظر المجتمع الدولي إلى ما جرى باعتباره رمزًا لانهيار النظام الاستعماري القديم، وبداية تشكل نظام عالمي جديد فرضته معادلات الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
خلفيات العدوان وأسبابه
وفي هذا الإطار، يشير الباحث الدكتور علي ياسين الجبوري في كتابه “موقف جامعة الدول العربية من العراق” إلى أن من بين الأسباب غير المباشرة للعدوان على مصر دورها في تأسيس حركة عدم الانحياز، التي عقدت مؤتمرها الأول في العاصمة الإندونيسية عام 1955، إضافة إلى تصديها لمشروعات الأحلاف الاستعمارية، وعلى رأسها حلف “بغداد” الذي دعت إليه القوى الاستعمارية في العام نفسه.
وقد دفعت هذه المواقف بريطانيا وفرنسا، ومعهما الكيان الصهيوني، إلى شن الحرب على مصر بهدف ثنيها عن قراراتها السيادية، فيما عرف تاريخيًا بالعدوان الثلاثي، إلا أن قرار التأميم لم يكن السبب الوحيد، إذ كان لكل دولة مشاركة في العدوان دوافعها الخاصة، من بينها توقيع مصر اتفاقية مع الاتحاد السوفيتي لتزويدها بأسلحة متطورة تهدف إلى تعزيز قدرات القوات المسلحة وردع إسرائيل.
المواقف العربية والدولية
والجدير بالإشارة أن الهجوم على مصر قد قوبل برفض عربي واسع، كان في مقدمته موقف المملكة العربية السعودية التي أعلنت قطع العلاقات مع بريطانيا وفرنسا، وفرض حظر على تصدير النفط السعودي إلى دول العدوان.
وفي المقابل، أيدت دول أخرى العدوان في محاولة للتقرب من بريطانيا وفرنسا، من بينها أستراليا، ما دفع مصر إلى قطع علاقاتها معها عقب إعلان دعمها للهجوم.
كما شكل الاتحاد السوفيتي الداعم الأكبر لمصر بين القوى الكبرى، ساعيًا لوقف العدوان، في حين بدا موقف الولايات المتحدة ملتبسًا، إذ تردد بين دعم حلفائه، لا سيما إسرائيل، وبين التخوف من توسع النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط، بما قد يؤدي إلى خسارة المنطقة لصالح المعسكر الشرقي.
أسباب الفشل والانسحاب
تعود أسباب فشل قوات العدوان الثلاثي إلى عدة عوامل، أبرزها شدة المقاومة المصرية وتلاحم الشعب والجيش، إلى جانب معارضة الولايات المتحدة للعدوان، ودعم الاتحاد السوفيتي لمصر وتهديده بالتدخل العسكري، فضلًا عن إدانة الأمم المتحدة للهجوم ومطالبتها بانسحاب القوات المعتدية، ووقوف الشعوب العربية إلى جانب مصر.
نتائج العدوان وتداعياته
كان من أبرز نتائج فشل العدوان انسحاب القوات البريطانية والفرنسية من بورسعيد في 23 ديسمبر 1956، وهو اليوم الذي تحتفل فيه المحافظة سنويًا بعيد الجلاء.
كما انسحبت إسرائيل لاحقًا من قطاع غزة وسيناء في أوائل عام 1957، وتم نشر قوات طوارئ دولية على الحدود بين مصر والأراضي المحتلة.
ما بعد العدوان
في أعقاب العدوان مباشرة، وتحديدًا عام 1957، شهدت الساحة الفلسطينية التأسيس غير الرسمي لحركة «فتح»، التي سرعان ما أصبحت إحدى أبرز حركات المقاومة الفلسطينية في العقود اللاحقة.
وقد كشفت تلك المرحلة عن وحشية العدوان الإسرائيلي، وساهمت في تسريع نهاية النفوذ الاستعماري التقليدي، وولادة روح المقاومة الفلسطينية الحديثة، التي ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم.



