تاريخ ومزارات

الجزري: العبقري الذي أنطق النحاس وحوّل الأحلام إلى آلات

في زمن كانت فيه بغداد تتلألأ بين صفحات الحضارة، وبين أسوار قصورها تترقرق أنهار العلم والمعرفة، أطل من أعماق القرن الثاني عشر عقل استثنائي، نسج من الخيال علماً، وجعل من المعدن حياة، ذلك الرجل الذي لم يعرف المستحيل، هو بديع الزمان الجزري، ابن ديار بكر، الذي خطّ بيده مستقبل الآلات قبل أن يولد الحاضر بقرون.

كيف صنع الجزري روبوت

جاء الجزري إلى الدنيا في عام 1136، في زمن لم يعرف الكهرباء ولا المحركات، لكنه قرأ في الأشياء ما عجزت عنه عيون البشر، حيث أن شغفه بالهندسة والميكانيكا لم يكن مجرد فضول، بل كان رسالة عاش من أجلها، فرأى ما لم يره غيره، ورسم في ذهنه عالماً تتحرك فيه الآلات كما يتحرك الناس.

لم يكن من نسج الخيال أن يصنع خادماً من النحاس، يتحرك بانضباط ليصب الماء للوضوء، ثم يعود أدراجه كما لو كان يملك وعياً خاصاً به، لم تحتج آلته إلى كهرباء، بل اعتمدت على الصمامات وأوزان المياه، فتحولت إلى مشهد يبدو كأنه قادم من عوالم الغد، لكنها عاشت بيننا في القرن الثاني عشر.

أودع الجزري أسرار عبقريته في كتابه الشهير الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل، وهو مؤلف لا تزال صفحاته تنبض بالحياة، لم يكتب فيه مجرد وصف لآلات، بل وثق فيه أكثر من خمسين اختراعاً مزجت بين العلم والفن، بين الدقة والجمال، بين الواقع والحلم.

في كتابه، شرح كيفية صناعة ساعات مائية تنبض بالدقائق، ونوافير ترقص على أنغام الماء، وأقفال معقدة تتحدى كل عقل يحاول فتحها، وآلات زينة تتحرك وكأنها حكايات مصورة تجسدها التروس والعجلات.

ومن بين اختراعاته، تبرز ساعة الفيل، ذلك العملاق الميكانيكي الذي يدهش الناظر بحركته المتقنة، حيث تتحرك تماثيله كل ساعة كأنها عرض مسرحي صامت، لم يكتف الجزري بذلك، بل صنع موسيقيين من المعدن، يقرعون الطبول ويعزفون في المناسبات، ليحول لحظات الطعام في قصور السلاطين إلى احتفال نابض بالحياة.

أما نظام ضخ المياه الذي ابتكره، فقد جمع بين البساطة والعبقرية، وكأنه حجر الأساس لمحركات البخار التي غيرت وجه العالم في القرون التالية، كل تفصيل في آلاته يثبت أنه لم يكن مجرد مهندس، بل كان فناناً يرى الميكانيكا بلغة الروح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى