وطنيات

إغراق الغواصة داكار.. ملحمة بحرية مصرية أسكتت أخطر تهديد تحت الماء

أسماء صبحي– ذكرى واحدة من أبرز العمليات النوعية في تاريخ البحرية المصرية. حين تمكنت وحدات الأسطول المصري يوم 24 يناير 1968 من توجيه ضربة قاصمة للبحرية الإسرائيلية، بإغراق الغواصة داكار بعد اختراقها للمياه الإقليمية المصرية قبالة سواحل الإسكندرية. في عملية عسكرية محكمة كشفت يقظة القوات البحرية وقدرتها على حماية السيادة المصرية في واحدة من أدق مراحل الصراع.

قصة الغواصة داكار

كانت “داكار” واحدة من ثلاث غواصات اشترتها إسرائيل من بريطانيا ضمن خطة لتحديث سلاحها البحري. ومع مطلع يناير 1968، تحركت الغواصات الثلاث في طريقها إلى ميناء حيفا بفلسطين المحتلة في رحلة قدمت رسميًا باعتبارها انتقالًا روتينيًا.

لكن خلف الكواليس، كانت هناك مهمة سرية بالغة الخطورة. إذ تلقى قائد داكار الرائد ياكوف راعنان، أوامر مباشرة من القيادة الإسرائيلية بتغيير مسار الغواصة والتوجه نحو سواحل الإسكندرية.

اغتيال سياسي وضربة معنوية

كشفت الأوامر الإسرائيلية أن مهمة الغواصة لم تكن استطلاعية فقط. بل استهدفت تنفيذ هجوم بحري على لنش مصري كان يعتقد أن الرئيس جمال عبد الناصر سوف يستقله في طريقه إلى مقر قيادة القوات البحرية بالإسكندرية للمشاركة في تكريم ضباط البحرية عقب نجاحهم في إغراق المدمرتين الإسرائيليتين “إيلات” و”يافو” في أكتوبر 1967.

كانت العملية، إن نجحت، سوف تحدث زلزالًا سياسيًا وعسكريًا. إلا أن يقظة البحرية المصرية قلبت الموازين.

الرصد والاشتباك

تمكنت هيئة عمليات القوات البحرية المصرية من رصد اختراق الغواصة الإسرائيلية للمياه الإقليمية المصرية. لتتحرك على الفور مدمرات البحرية المصرية نحو موقعها.

وباحترافية عالية، بدأت القوات المصرية في توجيه قذائف الأعماق نحو الغواصة مانعة إياها من المناورة أو الهروب. ورغم محاولات قائد داكار الإفلات من الضربات، إلا أن الطوق المصري كان محكمًا. لتنتهي العملية بإغراق الغواصة بالكامل وعلى متنها 69 ضابطًا وبحارًا إسرائيليًا.

عبد الناصر ودرس ما بعد 1967

عقب العملية، طلب الفريق أول محمد فوزي، القائد العام للقوات المسلحة آنذاك. من الرئيس جمال عبد الناصر إعلان خبر إغراق الغواصة، إلا أن الرئيس رفض الإعلان الرسمي دون دليل مادي قاطع.

جاء هذا الموقف نتيجة مريرة لتجربة البيانات غير الدقيقة التي صاحبت الأيام الأولى من حرب يونيو 1967. حيث اتخذ عبد الناصر قرارًا صارمًا بعدم إعلان أي نجاح عسكري إلا بعد التحقق الكامل أو صدور اعتراف رسمي من الطرف الآخر.

التوثيق الصحفي

في عام 1970، نشر الأديب والمراسل العسكري الراحل جمال الغيطاني تقريرًا صحفيًا موسعًا كشف تفاصيل عملية إغراق الغواصة داكار. بعد مراجعته واعتماده من وزير الحربية الفريق محمد فوزي ليكون أول توثيق شبه رسمي للعملية التي ظلت طي السرية لسنوات.

بحث بلا نتيجة

أطلقت إسرائيل، بمساندة الولايات المتحدة وبريطانيا، عمليات بحث وإنقاذ موسعة في البحر المتوسط. لكنها باءت جميعها بالفشل دون العثور على أي أثر للغواصة أو طاقمها. مما زاد من الغموض حول مصير داكار لسنوات طويلة.

حداد بلا جثمان

في عام 1971، شيدت إسرائيل نصبًا تذكاريًا لطاقم الغواصة المفقود في مقبرة جبل هرتزل بالقدس في اعتراف غير مباشر بأن الغواصة لم تعد. وبعد عقد كامل، وتحديدًا عام 1981، أعلنت الحكومة الإسرائيلية رسميًا وفاة جميع أفراد طاقم داكار. فيما أصدر الحاخام الأكبر الأشكنازي شلومو جورين، حاخام الجيش الإسرائيلي آنذاك، فتوى اعتبر فيها زوجات أفراد الطاقم أحرارًا في الزواج مرة أخرى.

الحقيقة تطفو بعد 31 عامًا

ظل لغز داكار قائمًا حتى عام 1999، حين تم العثور على حطام الغواصة قبالة الساحل الجنوبي الشرقي لجزيرة كريت على عمق كبير. ليتأكد رسميًا مقتل جميع أفراد طاقمها البالغ عددهم 69 شخصًا.

وفي محاولة لإعادة الاعتبار الرمزي، أعلنت قيادة الجيش الإسرائيلي عام 2018 إطلاق اسم داكار.على الغواصات الإسرائيلية الجديدة تكريمًا للغواصة الغارقة وطاقمها. رغم أن اسمها ظل مرتبطًا في الذاكرة العسكرية العربية بواحدة من أقسى الضربات البحرية التي تلقتها إسرائيل. جاء ذلك نقلًا عن المقاتل محمد السيد حجازى أحد أبطال سلاح المهندسين العسكريين فى حرب أكتوبر المجيدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى