أدوات التجميل عند الفراعنة حين تحوّل الجمال إلى طقس مقدّس
كتبت شيماء طه
من يقرأ تاريخ مصر القديمة يدرك أن الجمال لم يكن مجرد ترف أو تقليد، بل كان فلسفة كاملة يعيشها المصري القديم. فقد آمن أن المظهر النظيف والعطر والوجه المشرق يعكس نقاء الروح واتصالها بالآلهة. لذلك، تحوّلت أدوات التجميل عند الفراعنة إلى رموز للصفاء والطهارة، واستخدمها الرجال والنساء والكهنة والملوك على حدّ سواء، حتى أصبحت جزءًا من الهوية المصرية القديمة.
(الكحل) سحر العيون ودرع الحماية
كان الكحل الفرعوني من أهم أدوات التجميل وأكثرها رمزية، لم يكن هدفه إبراز جمال العين فقط، بل لحمايتها من وهج الشمس والغبار، وأيضًا من الأرواح الشريرة. صُنِع الكحل من معادن طبيعية مثل الغالينا والأنتيمون، وكانت تُطحن وتُخلط بزيوت نباتية لسهولة الاستخدام.
وفي النقوش الفرعونية، نجد الملوك والملكات بعيون محددة بدقة بالكحل الأسود، ما يعكس مكانته كرمز للجمال الإلهي والحماية الروحية.
الحناء والعطور والزيوت
لم تكن الحناء مجرد زينة للأيدي والشعر، بل كانت طقسًا رمزيًا يُمارس في الاحتفالات الدينية والملكية.
وكان المصريون يخلطونها بالأعشاب والزيوت لتعطير الجسم وتلوين الجلد برائحة زكية.
أما العطور الفرعونية فكانت تُحضّر داخل المعابد من زهور اللوتس والورد والعسل، وتُستخدم لتطهير الجسد والروح، استخدمتها كليوباترا وحتشبسوت بكثرة، وظلّت رمزًا للجمال والرقي حتى بعد آلاف السنين.
المرايا وأواني الزيوت
من المدهش أن نعرف أن المرايا البرونزية وأواني العطور الحجرية كانت تُعد من المقتنيات الثمينة في المقابر الملكية. كانت المرايا تُستخدم أثناء وضع الزينة وتُصقل بعناية حتى تعكس الوجه بوضوح مذهل، أما أواني الزيوت والعطور فكانت تُزيّن بالنقوش الملكية وتُدفن مع أصحابها ليحتفظوا بجمالهم الأبدي في العالم الآخر.
اهتم المصري القديم بمظهر البشرة؛ فاخترع مساحيق تجميل طبيعية من الأكاسيا والطمي والنحاس الأحمر لإضفاء لون وردي على الوجنتين والشفاه، كما استخدم الزيوت والعسل لترطيب الجلد، فالجمال عنده لم يكن سطحيًا بل مرتبطًا بالنظافة والاهتمام بالصحة.
ويُظهر ذلك مدى وعيه بمفهوم الجمال المتكامل بين الجسد والروح، وهو ما نلمسه في الرسومات التي تجسّد الملوك بوجوه مشرقة ونظرات واثقة.
الجمال عند الفراعنة لم يكن “ترف نساء القصور” كما قد يُظن، بل انعكاس لفكر عميق يرى في الجمال طريقًا إلى النقاء الداخلي. كانت أدوات التجميل الفرعونية جسرًا بين الإنسان والإله، بين الطين والخلود، وربما هذا هو سر استمرار سحرها حتى اليوم لأنها لم تكن مجرد زينة، بل رسالة حضارة تؤمن بأن الجمال شكل من أشكال العبادة.



