معركة نينوى حين تحققت البشارة وانقلبت موازين الارض على ضفاف الزاب
في مكة، حين حبست الرمال الساخنة انفاس الانتظار والابتلاء، كان العالم من حولها يشتعل بصراع هائل بين امبراطوريتين عظيمتين، الروم البيزنطيين والفرس الساسانيين، تنازعا السيادة قرونا طويلة، وتصادما كما يتصادم جبلان لا يعرفان السكون، مرة يعلو احدهما فيسحق خصمه، ومرة يستعيد الاخر قوته فيرد الهزيمة، ومع كل جولة تتبدل مواقع النفوذ دون ان تنقلب خريطة العالم انقلابا كاملا، وظل الصراع مفتوحا على احتمالات النار والدم، وكأن التاريخ يكتب فصوله على وقع سنابك الخيل وصليل السيوف.
تاريخ معركة نينوي
ومع بدايات القرن السابع الميلادي، انحازت الكفة بقسوة واضحة نحو الفرس، ففي عام 602م قتل الجنود الامبراطور البيزنطي موريس بعد تمرد قاده فوقاس، فاستغل كسرى الثاني ابرويز هذا الاضطراب، ورفع راية الثأر لموريس، واندفعت جيوشه كالسيل الجارف نحو اراضي الروم، وخلال سنوات قليلة سيطر الفرس على الشام وفلسطين، ودخلوا دمشق عام 613م، ثم اجتاحوا القدس عام 614م، فنهبوا الصليب المقدس، واعتدوا على كنيسة القيامة، وفرضوا سطوتهم على طرق التجارة والغلال، ثم احكموا قبضتهم على مصر عام 619م، فقطعوا امدادات القمح عن القسطنطينية، وتقدموا حتى اسوارها، وتحالفوا مع الافار والسلاف، وحاصروا العاصمة البيزنطية حصارا كاد يخنقها، حتى خيل للناس ان الامبراطورية الشرقية تلفظ انفاسها الاخيرة، وان شمسها توشك ان تغيب بلا رجعة.
وفي تلك اللحظة الفاصلة، وبين كثبان الصحراء في جزيرة العرب، انزل الله وحيه على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فنزلت ايات سورة الروم تبشر بانتصار سيأتي بعد هزيمة، وتؤكد ان الغلبة ستعود للروم في بضع سنين، فاستقبل المشركون الخبر بسخرية، لانهم رأوا الفرس اقرب اليهم في العقيدة، بينما اعتبروا الروم اهل كتاب، وراح بعضهم يستهزئ بالمسلمين ويتساءل كيف ينتصر من يرتبط باهل كتاب وقد انهزموا امام عباد النار، لكن ابا بكر الصديق خرج الى الاسواق يعلن ثقته بوعد الله، وتحدى المشركين برهان واضح على تحقق النبوءة في المدة التي حددتها الايات، فثبت المؤمنون على يقينهم رغم ان المشهد السياسي والعسكري بدا معاكسا تماما لكل امل قريب.
وفي خضم هذا الانهيار، صعد هرقل الى عرش بيزنطة عام 610م بعد ان اطاح بفوقاس، فوجد خزائن خاوية، وجيشا متعبا، وامبراطورية تتداعى اطرافها، لكنه لم يستسلم، بل اعاد تنظيم الادارة، وجمع الضرائب، واعاد بناء الجيش، وتحالف مع قبائل الخزر والترك، ثم اتخذ قرارا جريئا حين نقل المعركة الى قلب اراضي الفرس بدلا من انتظار الضربة التالية، وبدأ منذ عام 622م سلسلة حملات خاطفة اربكت خصومه، فهاجم مواقعهم الحيوية، ودمر معبد النار في اذربيجان، واستفاد من الخلافات الداخلية بين قادة الفرس، وواصل الضغط حتى اعد المسرح للمعركة الفاصلة.
وفي ديسمبر عام 627م، التقى الجيشان قرب نينوى في ارض العراق الحالية، وعلى مقربة من نهر الزاب الكبير، فاختار هرقل ساحة يلفها الضباب، واستغل الطبيعة ليعطل سهام الفرس ويشتت صفوفهم، وقاد جنوده بنفسه في الصفوف الامامية، وخاض قتالا مباشرا مع القائد الفارسي راهزاد فصرعه بيده، واستمر القتال ساعات طويلة اتسمت بالشراسة والعناد، ثم تراجع الجيش الفارسي وانكسرت معنوياته، وفتح الانتصار الطريق امام هرقل للتقدم نحو المدائن، فاهتز عرش كسرى، وتسارعت الاحداث داخل الدولة الساسانية حتى دخلت دوامة اضطراب لم تخرج منها سالمة.
بهذا الانتصار، تحقق وعد الله الذي نزل في مكة يوم بدا كل شيء مستحيلا، وعاد الروم الى موقع القوة بعد ان اقتربوا من السقوط، وفرح المؤمنون بنصر الله كما اخبرت الايات، لكن عجلة التاريخ لم تتوقف عند هذا الحد، فبعد سنوات قليلة خرجت جيوش من صحراء العرب تحمل رسالة الاسلام، فانتصر المسلمون في اليرموك عام 636م، ثم واصلوا الفتح في الشام ومصر وشمال افريقيا، وسقطت الامبراطوريتان المنهكتان امام قوة جديدة صنعت عالما مختلفا.
هكذا شكلت معركة نينوى نهاية فصل طويل من صراع الروم والفرس، وبداية مرحلة غيرت موازين القوى في المنطقة، واثبتت ان التدبير كله بيد الله، يعز من يشاء ويذل من يشاء، وان الوعد الحق يتحقق مهما طال الزمن، وكلما استعاد المؤمنون ذكرى تلك الايام، تجدد في قلوبهم اليقين بان الصبر مفتاح الفرج، وان الفرح الحقيقي يرتبط بنصر الله وحده.



